عن النوم والوقت

يناير 8, 2016

كنت في إجازات صيف غزَّة الطويل أسهر إلى أن يتنفّس الفجر ويبدأ صغار الجيران في اللعب تحت شبّاكي. وعندئذٍ، كان رأسي المقلوب يعطي إشارةَ البدء في طقوس النوم. أربط الستائر جيدًا حتى لا يتسلل أيّ خيط من الضوء إلى الغرفة. أتمدد على فرشة اسفنجيّة ترفعني خمس سنتميترات عن الأرض تقريباً. أضع الغطاء بين قدميّ وأرخي رأسي على مخدّات يهوّن من قسوةِ بعضِها لينُ البعض الآخر. هكذا كانت تصنع أمّي مخدّاتها: إمّا قاسية وإمّا لينة. وكأنّ أمّي كانت تحشو المخدّات بشيء من شخصيّتها لا بالقطن وزغب الأقمشة. فأمّي، مثل مخداتها، لا تعرف الحلول الوسط.

كان نومي في تلك الأيّام الغابرة ذو طابع جشع وفج. فأنا كنت أخلد إلى النوم من دون أيّ منغصات فيزيائيّة أو -لا سمح الله- نفسيّة. تلخّص طقوس نومي تلك مجملَ الاشتراطات التي يفرضها على المرء عيشهُ في مخيّمٍ نزقٍ تعدّى حدوده فصار أقرب إلى بلدة يقطنها مائة وخمسون ألف إنسان يعرفون جميعاً أن اليوم المقبل سيكون منسوجاً من ثوب أخيه.

عندما أفكّر في المخيّم وأسترجع أزّقته الضيقة وما يتوالد فيها من أنهار صغيرة كلّما عصرتْ يدُ الله الغيوم، أكاد أشعر من جديد ببللٍ مزعج في الشقّ الأخير من بنطالي. كان هذا البللُ الحاقدُ يفرض نفسه عليّ مهما حاولت أن أتجنّب الغوص في برك الماء الذي تسمّر في وسط الشارع لأنّه لم يعثر على مكان آخر يذهب إليه. يبدو لي أنّ الناس في غزّة يتسمرون في مكانهم، وفي كلامهم، لأنهم -مثل برك الماء- لم يجدوا مكاناً آخر يذهبون إليه.

ولمّا كنت أستيقظ بعد نوم كان يحدث أن يمتدَّ إلى إحدى عشرة ساعة من دون مفاصلة، كان الليل هو أوّل ما أراه وأستأنس به. قطٌّ صغير مدلل هو الليل. أحنو عليه ويحنو عليّ. أربِّت على كتفه وأحكّ له النقطة التي لا يستطيع الوصول إليها وسطَ ظهره. أمّا النهار فأقتله بخنجر في قلبه. أهرب منه لأنني، ببساطةٍ، لا أعرف كيف أتعامل معه، على عكس نقضيه الليليّ الذي كان حلو المذاق خفيف الظلّ. بهدوئه وحبّه الفطري للمؤامرات، كان ليلي المربوط بالبشرية عبر خطّ الإنترنت يمكنني من أن أخلع جلدي وأعيش حياة اللصوصيّة. حينها، وحينها فقط، كنت درويشًا من دراويش المكان والزمان.

ولعلّ النزعة التآمريّة لتلك الليالي الهادئة، الخالية من أيّ جديد على الصعيد الواقعيّ، هي التي أطفت هذه الصبغة السحريّة على ذكرياتي المتعلقة بتلك المرحلة. ففيها كان للتنزّه في شوارع الانترنت الفسيحة والدردشة مع الغرباء حلّاً جذرياً للوحدة، وتقرَّباً من المرأة التي لطالما بدت عصيّة وبعيدة، وكتباً ملقاة على الأرض تنتظر من يمسك بها ويقرأ. وهكذا بدأت أشيّد في ليالي الصيف البعيدة تلك عالماً مجازياً يقوم على القراءة والكتابة والرّغبة. عالمٌ مخادعٌ ولعوبٌ ومتشعِّبٌ ومليء بالمصادفات. عالمٌ كان يكفي فيه العثور على أغنية جديدة، أو إقناع كائن أنثويّ افتراضي بتمرير إيميله الشخصي، للإحساس بنشوة الانتصار.

كانت تلك أيّام الزهو الجسديّ والنفسي وكان الجهاز الهضميّ جديداً مثل سيارة آخر موديل. ولم يكن يخطر في بال المرء أن عليه الإكثار من أكل الفاكهة، أو أن يقلق من شرب السجائر. العيش على السجيّة ومن دون قلق. لندن تعلِّمك القلق. تلحُّ عليك بضرورة ممارسة الرياضة والحفاظ على منسوب واضح من الخضراوات في طعامك. تندم أشدّ الندم إذا ما انتهى بك المطاف في واحد من مطاعم الوجبات السّريعة. في هذه البلاد التي لا حروب فيها، ولا سنّة ولا شيعة، ولا ممانعة ولا إعتدال، اتفق الجميع على تركيز الخوف ناحية مصلحة الضرائب وأورام السرطان.

يقلقني ويعكّر عليّ مزاجي حلولُ الليل في لندن. إذا ما كان التحدّي الفرديّ للمرء في غزّة يتمثّل في قتل الوقت بطريقة فعّالة كلّ يوم، فإنّ هذا التحدّي ينعكس تماماً في عاصمة الإنجليز. فأنت هنا تحاول إنعاش الوقت والتخفيف من سرعته. تطلب منه أن يتمهّل. أن يكفّ ولو للحظة عن الحركة. لماذا أنت عنيدٌ وحقيرٌ على هذه الشاكلة؟ تسألُ الوقتّ الذي لا يسمعك لأنّه لم يعد أصلاً في نفس المكان الذي طرحتَ فيه عليه السؤال. يجري مثل غزال. متى وصلتَ إلى هذه البلاد؟ البارحة! البارحة مضى عليها ثلاثون شهراً!

هم أحسنوا تقسيم الوقت وتشذيبه في هذا الجزء من العالم، ولهذا فإنّ حصّتك منه تبدو صغيرةً مهما كَبُرت. هنا فقط يمكن للمرء أن يفهم المقولة التي رددوها علينا صغاراً. قالوا لنا إنّ الوقت من ذهب. أصدّق ذلك الآن لأنني أرى هذا الذهب يُباع ويشترى، تارةً على هيئة إجازات، وأخرى على هيئة أيّام عمل إضافية مدفوعة، أو عبر منح جماهير السكارى ليلةً واحدةً كلّ عام يعمل فيها المترو حتى ساعات الصباح مجاناً. ووسط هذا النظام الصارم من التقسيمات التي لارجعة عنها، خفّت قدرتي على استطعام الحياة.

ليس معنى هذا أنني أريد العودة إلى الزمان المنصرم. لست سقراط لأتجرّع بشجاعة أسطورية كأس الحنين السّام. سأختار من دون تردد مشروباً آخر من القائمة. أنا لا أريد أن أعود. لا إلى ذلك الزمان، ولا إلى ما قبله. لقد بلغت فيّ هذه الحساسية مبلغاً صرت أتمنّى معه أن تتعطّل قدرتي على العودة نهائياً. أن أفقد هذا الجزء مثلما يفقد مكوك الفضاء أجزاءه شيئاً فشيئاً وهو يلوي ذراع الغلاف الجوّي صاعدًا إلى الأعلى. فمن بعيد فقط، من على بعد مئات الأميال، تبدو الأرض مكاناً جميلاً.

 

الكنيست الإسرائيلي كما يُشاهد من غزّة

مارس 14, 2015

محمود عمر
عادت مشاركة العرب الفلسطينيين في إسرائيل في انتخابات الكنيست لتحظى بنصيب الأسد من جدالات المقاهي وشبكات التواصل. الحدّة التي تتسم بها هذه الجدالات النخبويّة بين أطراف يَصعُب رؤية الحدّ الفاصل بين خلافاتها السياسية والشخصيّة، لا تعكس، للأسف، حالة عصف ذهنيّ أو انقسام ملحوظ في الشّارع العربي الفلسطيني في “إسرائيل” الذي يبدو أنّه يجنح، تحت تأثير عوامل تراكميّة متعددة، باتجاه المشاركة الفاعلة في الانتخابات البرلمانيّة الاسرائيليّة.

knesset_logoالأصوات الداعية لمقاطعة انتخابات الكنيست الاسرائيليّ، وهنا نقصد لفيفًا واسعًا غير متجانس من النشطاء الحزبيين وغير الحزبيين، لا يبدو أنّها تخلّصت تمامًا من توتّرها في التعبير عن موقفها الذي يتّسم في الصميم منه، وهنا تكمن المفارقة، بالكثير من البساطة، إذ يعتبر هؤلاء أن مشاركة قسم من الشعب الفلسطينيّ في انتخابات برلمان المشروع الصهيونيّ غير مقبولة ولا مجدية. يتعثّر التعبير عن هذا الموقف الوطنيّ الذي تدعمه جملة من الأسباب الرزينة، فيُستعاض عنه في معظم الحالات بابتزازات ومزايدات حول الخيانة وتقسيم الشعب والتصهين.

يُقابل توتّر خطاب المقاطعة بتوتّر مضاد من مؤيدي المشاركة الفاعلة في الانتخابات الاسرائيليّة، فيتحوّل الجدل النخبويّ، والذي يترجّى مفاهيم متنوّعة عن «الشعب» ولا يعبّر عنه في الحالتين، إلى جدلٍ بيزنطيٍّ بين معسكرين تفصل بينهما حدودٌ مساميّة، ويغيب أيّ بحث معمّق يحاول، على الأقل، تحجيم إدّعاءات الطرفين، وبالأخص، مساءلة العملية التي يجري الاشتغال عليها، بغرض تحويل مشاركة عرب فلسطينيين في الكنيست الصهيونيّ من شذوذ يقع على هامش تاريخ وحاضر القضيّة الفلسطينيّة، إلى ظاهرة وحدويّة و «نضاليّة» تقع في القلب منها.

اكتشاف «كنز» المواطنة

بدأ العرب الفلسطينيّون داخل إسرائيل بإدراك المزايا والمساحات الواسعة التي تمنحها لهم المواطنة الإسرائيليّة في نفس الفترة التي بدأ فيها الفلسطينيّون عديمو المواطنة بتطوير مفهوم ووعي حديث، ما بعد استعماريّ، بهويّتهم الوطنيّة. والواقع أنّ عقد السبعينيات، وهو عقدّ “المدّ الثوريّ” الفلسطينيّ، كان أيضًا عقد “اكتشاف المواطنة” عند العرب الفلسطينيين في إسرائيل، بعد رفع الحكم العسكريّ عنهم عام ٩٦٦١، ليتمايزوا بشكل منهجي ونَسقي عن باقي الفلسطينيين، ولتصير لإسرائيل عندهم صورة مختلفة، أكثر مرونة وأقلّ دموية بكثير من صورتها عند فلسطينيي الضفّة والقطاع والشتات.

كما وسهّل انتهاء حكم الحزب الواحد في إسرائيل في نهاية السبعينيات، بعد فوز حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن بأربعة وثلاثين مقعدًا في الكنيست، الطريق أمام الفلسطينيين في إسرائيل لوضع وعيهم المضطرد بمزايا مواطنتهم المنقوصة موضع التطبيق، بعد أن صارت إسرائيل دولة أكثر ليبراليّة، يتناوب على حكمها حزبان سياسيان رئيسان، وتمتاز بتوفر هامش واسع من حرية التعبير والتنظيم والتجمّع والعمل الإعلاميّ. وفي تطبيق كلاسيكيّ لمقولة هيغل “الحاجة هي وعي النقص”، رافق وعي الفلسطينيين في إسرائيل بـ”مواطنتهم”، وعيًا بالنقص الذي يشوب هذه المواطنة، وبالتالي، حاجة للوصول إلى صيغة تملأ هذا النقص وتنهيه.

ومن هنا جاء المشروع السياسيّ الذي قسّم الاشكالية السياسيّة عند فلسطينيي الداخل إلى مركبتين، الأولى داخلية تتمثل في المطالبة بالمساواة، والثانية خارجية/قوميّة تتمثّل بدعم خيار الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بإقامة الدولة في الضفّة والقطاع. ولقد تعرّض هذا المشروع الذي أراد العرب في مناطق ٤٨ إسرائيليين داخل حدود “الدولة”، وفلسطينيين في الضفة والقطاع، لضربات موضوعيّة وذاتيّة قاتلة، فجاء مشروع “دولة المواطنين” الذي طرحه عزمي بشارة في منتصف الثمانينيات، ليحلّ محله، ويعكس إتجاه المركبّة القوميّة لتصير موجّهة نحو الداخل من خلال ربط مطلب المساواة الكاملة بالاعتراف بالحقوق القوميّة الجماعية للفلسطينيين في إسرائيل.

بكلمات أخرى، جاء مشروع “دولة المواطنين” ليقول إنّ بإمكان الفلسطيني الحامل للجنسيّة الإسرائيليّة أن يكون مواطنًا إسرائيليًا كامل الأهليّة والحقوق، وفي نفس الوقت، فلسطينيًا تامًا يمتّع بحقوق قوميّة داخل إسرائيل لا خارجها. ولا يمكن، في واقع الأمر، لأيّ من متفّهمي أو داعمي المشاركة في انتخابات الكنيست باعتبارها “نضالاً” أو دفعًا بإسرائيل لـ”ترزح تحت تناقضاتها”، أن يبتعدوا كثيرًا عن الأسس المعرفيّة لمشروع دولة المواطنين، وعن الأثمان الواجب دفعها من أجل جعل هذا المشروع مشروعًا سياسيًا يمكن اختبار قابليّته للحياة بشكل جدّي.

«الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»

يشتمل أيّ موقف داعم للمشاركة العربيّة في انتخابات الكنيست على تأييد لفكرة التسليم بالواقع كخطوة تسبق الاشتباك معه من أجل تغييره. ولا يجب، في واقع الأمر، نفي هذه الفكرة أو إبداء فوقيّة عدميّة تجاهها كما يفعل كثيرٌ من دعاة المقاطعة، حتى يكون فيها ما يمكن معارضته وتبيان تهافته ضمن حدود نموذج “دولة المواطنين”. فالمشكلة، بالنسبة لفلسطيني لا يحمل الجنسية الاسرائيليّة، ليست بالضرورة في «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، بل في التشخيص السّائد لهذا الواقع والتحديد المُتّبع لطبيعة «الاشتباك» معه والحدود التي ينتهي عنها هذا الاشتباك. فإذا ما سلّمنا بصوابيّة «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، كان لزامًا أن نسأل: من يملك سلطة تشخيص الواقع؟

الواقع في نموذج “دولة المواطنين” هو دولة إسرائيلية ذات فضاء سياسيّ وقانوني محدد، رغم أنّها لم ترسّم حدودها أبدًا، والتغيير المُرتجى هو تحويل هذه الدولة من دولة صهيونيّة يهوديّة عنصريّة، إلى دولة لكافة مواطنيها، وكافّة مواطنيها هنا لا تشمل بعطفها الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة أو قطاع غزّة أو مخيمات سوريا ولبنان والأردن، لاستناد نموذج “دولة المواطنين” بشكل شبه كامل على تصوّر أوسلويّ للواقع القائم اليوم في فلسطين ما بين النهر والبحر.

يشتمل النموذج، بكلمات أخرى، على نفس القصور في المخيلة والسياسة الذي أدّى إلى إطفاء شرعيّة فلسطينيّة وطنيّة على تقسيمات جاء بها الاستعمار والمشروع الصهيونيّ. أمّا الثّمن الواجب دفعه من أجل الوصول إلى “دولة المواطنين”، أو أيّ هدف آخر بوسائل “ديمقراطيّة”، فهو ثمن بالغ الوضوح: هذا “نضال” يجري تحت سقف المواطنة الإسرائيليّة، وبلغة ليبراليّة حقوقيّة تفهمها المؤسسة الصهيونيّة، وهو نضال محدود الخطورة وشديد الأنانيّة بالضرورة، لاستناده على تصور قوميّ لهويّة فرعيّة وجزء محدود من الشعب الفلسطينيّ، شاءت المصادفة التاريخيّة أن يجد نفسه في الجهة الأخرى من السلك الشائك.

وهنا، ينتفي عن جزء من أرض فلسطين الفهم الفانوني (من فرانز فانون) للاستعمار باعتباره عنفًا خالصًا لا يمكن أن يخضع إلّا في حالة مواجهته بعنف أقوى، في حين يُعاد تبني هذا الفهم بطريقة وصوليّة ما أن يتعلّق الأمر بجزء آخر من نفس الأرض، الأمر الذي لا يعدو كونه إعادة إنتاج تنكريّة لمشروح حلّ الدولتين الذي مات وتعفّن. وبالتالي، يصبح ممكنًا لإسرائيل، في نموذج “دولة المواطنين”، أن تكون واقعًا ذكيًا ومنطقيًا ومرنًا وخجولاً -في مناطق جغرافيّة معيّنة دون غيرها-، يمكن انتزاع تنازلات منه بل وتغييره جذريًا عبر سُبل ديمقراطيّة وليبراليّة.

يُصدَّر هدف الحصول على المساواة والاعتراف بالحقوق القوميّة، والسعي نحو هذا الهدف، باعتباره نضالاً يجعل “إسرائيل” ترزح تحت وطأة تناقضاتها، في حين يمكن الإدّعاء، في ظلّ محدوديّة هذا النموذج السياسية والجغرافيّة والديموغرافيّة، وتنكّره المضاد لواقع الفلسطينيين خارج فردوس المواطنة، وكونه سيفًا ذو حدّين (جاهل فقط يمكن أن ينكر استفادة إسرائيل من وجود نوّاب عرب “يناضلون” من داخل الكنيست)، أنه لا يجعل إسرائيل “ترزح تحت وطأة تناقضاتها” بقدر ما يحاول، من حيث يدري أو لايدري، حاله حال الليبراليين اليهود في أحياء نيوريورك ولندن، إنقاذ إسرائيل من نفسها.

في ضرورة مساءلة «أوسلو الداخل»

يدّعي مناصرو المشاركة العربيّة في الانتخابات الاسرائيليّة، أو أولئك الذين لا يبدون موقفًا مبدئيًا ضدّها، في معظمهم، أنّ هذه المشاركة تنبع من “خصوصيّة” واقع العرب الفلسطينيين في إسرائيل وتميّز واقعهم. والحال أنّ العرب الفلسطينيين في إسرائيل لهم “خصوصيتهم” بالفعل. ولكن غيرهم من الفلسطينيين لهم “خصوصيتهم” أيضًا، وهذا هو ما يتوجّب على المتحمسين لانتخابات الكنيست فهمه ومحاولة الردّ عليه إن كانوا يصدقون أنفسهم بالفعل عندما يعتبرون أنّ دخول البرلمان الاسرائيليّ لا يتعارض، إن لم يدعم، حقوق وتطلّعات الشعب الفلسطينيّ في كافة أماكن تواجده.

إنّ وضع “خصوصيّة” قطاعات معيّنة من الشعب الفلسطينيّ في مقابلة “خصوصيّة” أجزاء أخرى تكشف البؤس الكامن في هذا المنطق برمّته، رغم أنّه يعكس، على مرآة مهشّمة، أجزاء متفرقة من واقع موضوعيّ لا يمكن إنكاره. فإذا كان العربي الفلسطينيّ في إسرائيل يعتبر مشاركته في الترشّح أو التصويت في الانتخابات “نضالاً” ضدّ العنصريّة والصهيونيّة، فإنّ عليه أن يفهم -منطلقًا من خصوصيّته، أنّ هذا النضال ليس له وجود أو دلالة أو قيمة في قاموس فلسطينيّ من غزّة، جرّاء “خصوصيّة” الوضع الغزّي، هذا إن لم يكن هذا “النضال” صورة طبق الأصل عن نقيضه.

وبذلك، فإنّ ما قد يمنح المشاركة في الانتخابات الحدّ الأدنى من الاتّساق المعرفيّ والعملانيّ ضمن حدودها نموذجها المشغِّل هو تقديمها على ما هيّ عليه بالفعل: أوسلو الدّاخل النابعة من “خصوصيّة” لا يمكن من دونها فهم أو تلمّس أي فحوى نضاليّة، والكفّ عن محاولة تصوير هذه المشاركة على أنّها “حصان طروادة” نخبّئ فيه أعضاء الكنيست العرب ونرسلهم ليتفجّروا في قلب المشروع الصهيونيّ ويجهزوا عليه، ذلك أنّ ملايين الفلسطينيين من القابعين خارج هذه “الخصوصيّة”، لا يمكنهم، نتيجة شرطهم التاريخيّ و “خصوصيتهم”، إلا أن يروا فيها استغلالاً بيّنًا لمزايا منحها المشروع الصهيونيّ لبعض الفلسطينيين دون غيرهم.

ما بعد بعد «الخصوصيّة»

لن يكون من الممكن خلق وضع سياسيّ واجتماعي أفضلّ في البقعة الجغرافيّة الممتدة بين نهر الأردنّ والبحر المتوسّط عبر مشاريع تحاول التعامل مع الأعراض بدلاً من التعامل مع المرض. إنّ منطق “الخصوصيّة”، لو مُدّ على آخره، فهو يضعنا، كشعب، أمام نفس الأسئلة التي يحاول بعضنا، عبر انتخابات الكنيست، أن يضع إسرائيل أمامها: هل ما زلنا شعبًا واحدًا بالفعل؟ هل ما زال من الممكن بالنسبة لنا أن نطوّر مشروع مقاومة جامع ومتعدد الأبعاد يضمن لنا، في آخر الدرب، حقوقنا القوميّة والوطنيّة والفرديّة، سواء كنّا من غزّة أو عين الحلوة أو بئر السبع؟

لا يمكن لنموذج “دولة المواطنين”، أو أيّ نموذج آخر يحصر نفسه ضمن مساحة معرفيّة أو سياسيّة مسيّجة ومسقوفة بشعار دولة إسرائيل، أن يجيب على الأسئلة السابقة بالايجاب لأنّه، لو فعل، فسينفي نفسه. الأمر نفسه ينطبق على نموذج “أوسلو” في كافة تفرّعاته وتجلياته. التحدّي، إذًا، كامنٌ في البحث المستمر عن بدائل متطوّرة، من دون الغرق في الابتزازات العاطفيّة والعزوف عن السياسة أو تخوين قطاعات واسعة من “الشّعب” ومحاولة إخراجهم من معادلة الصّراع، بل من خلال الانخراط في السياسة، ومحاولة العثور فيها على ما هو أبعد من “الخصوصيّة”؛ أي على الشيء الذي قد يربط، من دون أن يساوي أو يدمج، بين الفلسطينيّ الذي وجّه صاروخه من بين الركام باتجاه الكنيست، والفلسطينيّ الذي وجّه آماله تجاهه.

سنة أولى لندن

أغسطس 26, 2014

سنة أولى لندن. سنة كاملة. كنت سأقول: فصولٌ أربعة لولا أنّ الفارق بين الفصول، في لندن، ليس جديًا بالمرّة. فالشتاء هنا هو «المعلّم»، والصيف والخريف والربيع صبيانه الذين يرسلهم في مهمّات سريعة حيث يحب، ويعيدهم إلى بيت طاعته متى يحب.

10654173_10202405813094557_632994189_nلم تكن الطائرة التي حملتني من القاهرة مشغولة بكاملها. أتذكر أنّني حظيت بثلاثة مقاعد فارغة لي وحدي ولتوقعاتي وخططي للمدينة الجديدة التي رأيت منها، أوّل ما رأيت، نثارًا ضوئيًا أصفر يشبه أضواء مستوطنة «دوغيت» التي كثيرًا ما تأملتها في سهرات لعب الشدّة على السطح.

التقطت صورًا للمشهد القابع تحت الطائرة. المشهد المتمدد كجثّة. التقطت صورًا كثيرة وما زلت أقلّبها كلّما عَنَّ على بالي أن أنقّب في هاتفي المحمول. أتأملها: بساط أسود كبير، ونقاط ضوئيّة صفراء لا نهائيّة. لم أتجرّأ بعدُ على حذف هذه الصور حتى عندما أكون في أمسّ الحاجة، على هاتفي المحمول، إلى مزيد من «الذاكرة». أحذف صورًا أخرى وأشخاصًا آخرين. فلقد كانت هذه، على الرّغم من كلّ شيء، المرة الأولى التي أركب فيها طائرة في حياتي.

كان صباحي اللندنيّ الأوّل أبيض. أبيض بحقّ. رطبًا ومثبّتًا إلى الأرض ويمكن، لتوقيته، إمساكه باليدين. مشينا، حمزة وأنا، إلى محطّة المترو. قلت له: دعني قليلاً، أريد أن أتأكد أنني لا أمشي في صفحات رواية. إلى هذا الحدّ كنت مأخوذًا، وبماذا؟ بشارع عاديّ في إيست آكتون، واحدة من أبسط مناطق لندن وأقلّها جذبًا للسيّاح.

كانت تلك الجملة بندًا على فاتورة شحّ منسوب الدهشة في حياتي التي دفعتُها، صاغرًا، في أكثر من مناسبة. فأنا، كأجيال بأكملها، كنت أعتبر الذهاب من مخيّم جباليا إلى مدينة غزّة «رحلة» يجب الاستعداد لها والتخطيط وارتداء أفضل الملابس لعلّ واحدة من «بنات غزّة» المتوهجّات كنجم بعيد لا يمكن لمسه تقع في حبّي، أنا إبن المخيّم، من النظرة الأولى. لقد خالط هذا النوع من البؤس القويّ كثيرًا من سنوات العمر. أشعر، عندما أفكّر في ذلك، بالفداحة والتسليم. هذا ما كان، ولن يتغيّر.

ضحك حمزة على جملتي. ولو كان العالم يستمع إليّ في حينها، لكان لزامًا عليه أن يضحك. تمامًا مثلما أضحك أنا اليوم عندما أفكّر في تعامليّ العادي مع الشوارع، وعندما أتذكر ما حملته معي، قبل عام، إلى لندن. كنت أعتقد أنني «نجوت» من القاهرة، وربّما أكون قد نجوت منها فعلاً، لكنني لم أنج منّي، ومن لندن. أفكّر، بعد سنة أولى لندن، أنّ هذه المدينة لو كان لها أن تقول لي شيئًا واحدًا فلابد له أن يكون شيئًا من قبيل: ليس كما كنت تتوقعّ، أليس كذلك؟ ستقول ذلك ونصف ابتسامة صفراء على وجهها.

لقد غيّرت هذه السنة كثيرًا من الأشياء في رأسي. عبثت به مثلما كان يعبث جارنا أبو أحمد بمحرّكات السيارات في ورشته المفتوحة على الدوام، يمدّ يده في جوفها وينحني عليها فيظهر خيط مؤخرته من فوق بنطلون الجينز. يفكّ، ويركّب، ويشحّم، ويقطع، ويوصل، وينادي على الشغّيل لتجهيز الشّاي.

تخلّيت عن أفكار كثيرة، وفتحت الباب لأفكار جديدة. أشرت بيدي لها كي تدخل، ودللتها على طريق الصّالة. رحّبت بها ووضعت ضيافتها كاملة على الطاولة لعلمي أنّها ستمكث كثيرا. خسرت أشخاصًا، وكسبت أشخاصًا آخرين. حدث ذلك فجأة، في غمضة عين كما يقولون. الطبيعيّ أن يتبدّل الناس في حياة المرء، لكن هذا التبدل يحدث، عادةً، بهدوء، وعلى فترات. لكنه حدث معي مُكثفًا، ودون سابق إنذار. وما زلت أحتفظ، وأنا أودّع السنة الأولى في لندن، بكثير من خيبات الأمل، والتحفّظات، والنقمة، والغضب، والاعتذارات، والهواجس، لكنني لا أبدو جديًا في محاولة تصريفها.

أراكمها مثلما كانت تفعل جدّتي مع كلّ شيء. تضعه في صناديق وبراميل وعلب وترميه تحت بيت الدرج: سكّر، زيت، مخللات، دقيق، نحاسيّات، ملابس، وكلّ ما يمكن للمرء أن يتخيّله. «كلّه بيلزم»؛ كانت جدّتي تقول. أقول لنفسي الشيء ذاته كلّما صدف وقمت بزيارة تفقديّة إلى بيت درج حياتي.

وفي السنة الأولى، مرّت علي أيّام وُضعِت فيها كلُّ مُركّبات هويتي في حالة استنفار؛ لغتي، فلسطينيتي، غزّاويتي، لكنني أحسب أنني استطعت عبور الجسر، بشكل أو بآخر. لم أعبره سريعًا، ولم أعبره بمهارة. عبرته وأنا أمسك بجانبيه؛ أتشبّث كي لا أقع. أمشي ببطء؛ خطوة خطوة، في الطريق إلى الجهة الأخرى. الجهة الأكثر نضجًا.

والنضج هذا، كما كان أبي يقول، مرهونٌ بالبهدلة. ولقد ثبت لي قوله أيّما إثبات. كلّما تبهدل المرء، وكلّما شحّت عليه الموارد؛ ماديّة كانت أم عاطفيّة، كلما أُضطر إلى أن ينضج ويبدّل جلده بجلد أقسى، ويتمهّل أكثر قبل إبداء رأيه حول أيّ مسألة، كبيرة كانت أم صغيرة. ومع أنني لم أكن أريد لسنتي الأولى في لندن أن تكون سنة نضج، بل سنة لعب ومشاكسة وراحة، إلّا أنها كانت كذلك.

وفي سنتي الأولى عرفتُ الغربة. هذه المفردة التي كانت غريبةً عليّ حتى بعد ثلاث سنوات قضيتها في القاهرة. ليس ثمّة في القاهرة غربة. القاهرة فيها ازدحام، وفشل، وفوضى، ونهر، وأصحاب، وأغانٍ، وإيقاع حياة سريع. لكن لم يكن فيها، على الأقلّ بالنسبة لي، غربة كالتي سمعت عنها، طفلاً، في أحاديث عائليّة تختصّ بمن سافر من الأخوال والأعمام.

في لندن عرفتُ الغربة. وقد استغرق تعارفنا، وموعدنا الأوّل، بضعة أشهر. لابدّ أننا شربنا، معًا، مئات الفناجين من القهوة. لم نتحدث كثيرًا. قضينا الوقت نتأمّل بعضنا. بدت لي الغربة، أوّل ما بدت، شبحًا. لم أصدّق أنها موجودة. هذه الفكرة الكلاسيكيّة التي أنفر منها مثلما أنفر من الأدب الرديء.

ثمّ كيف أشعر بالغربة؟ لقد تركت المنزل، وأسلوب الحياة الخاص به، منذ سنين طويلة. تركت كلام الناس وضرورة مراعاته، وأسعار السجائر وارتفاعها، وأسلاك الكهرباء وانقطاعها. تركت غابة الاسمنت. تركت الغرف الضيّقة، والفصل بين الجنسين، والحدود المغلقة، وحفظ القرآن الإجباريّ، وطائرة الاستطلاع، والتديّن الزائف، والمتع المخبّأة. تركت كلّ هذا وذهبت بعيدًا عنه، في رأسي، حتى صار مجرّد نقطة في أفق بعيد.

لكنني شعرت بالغربة. هكذا، بكلّ تفاهة. واكتشفت أنّ كلّ ما تركته، لم يتركني. يتعلّق بي مثلما يتعلّق طفل جائع بوالدته. يطاردني ويجعلني أفكّر أنني لا أريد أن أرى العالم بقدر ما أريد أن أريه لأولئك الذين أحب.

لكن الانغماس في القراءة والتعلّم مكنني من تحجيم الإحساس بالغربة. كان هذا أيضًا علامة فارقة في السّنة الأولى. أن أقرأ ما أحب، وأن أدرس ما أحب، وأن أضع قدمي، أخيرًا على مسار أستطيع أن أواجه نفسي وأقول: لقد اخترته أنا، ولم يولد معي. ومع أنني كنت أتمنّى أن لا يكون المسار بالشاكلّة التفصيليّة التي هو عليها، لكنني تيقّنت أن المرء لا يحصل أبدًا على ما يريده بالضّبط – لا في العلم، ولا في العاطفة.

وفي سنتي الأولى مرّ الوقت كرصاصة، وشاهدت الملايين تركب الميترو بخطوة واحدة، وتخرج منه بخطوة واحدة،. رقصت، في سنتي الأولى، ساعات طويلة في نادٍ من ثلاث طوابق، وشاهدت المسيح يصلب في ترافالغار سكوير، ومشيت في شارع عمره أكثر من خمسة قرون، وجلست على طرف آيرلندا لأشاهد اسكتلندا على الطرف الآخر. وفي سنتي الأولى زرت اسطنبول وعمّان، ووقفت لأتأمّل أحيانًا بعض لمحات الجمال الحقيقيّة، والنادرة، التي تقدّمها لندن عندما تقرر أن تتخلى قليلاً، لدقائق، عن طابعها الميكانيكيّ.

وفي سنتي الأولى شعرت أنني لم أفعل شيئًا، ولم أبارح مطرحي. وفي سنتي الأولى شعرت بالبرد، والحبّ، والوحدة، وتحسّنت تحسنًا هائلًا في صنع الشكشوكة. وفي سنتي الأولى صرت عدوًا أفضل لمن يستحقّ عدواتي، وتأكدت من جهلي البنّاء، ومن كرهي للمجوّفين. وشتمت نفسي، والآخرين.

وفي سنتي الأولى، تساءلت مرارًا، وأنا أتأمل نزول المطر –مثلما أتأمله الآن يموّج زجاج نافذتي- عن منبع رغبتي الدائمة بالهرب. كأن رغبتي بالهرب نهر النيل! منذ سنوات طويلة وهي تجري ولا تنضب، ولا تتوقّف، ولا تلين.

نهاية السيّد واي: هل شاهدت أوليمبياد الصّين؟

يونيو 21, 2014

محمود عمر

إذا كان ناكاتا في “كافكا على الشّاطئ” يستطيع التحدث مع القطط تحت سماء تمطر سمكًا فإنّ آرييل مانتو، شخصيّة نهاية السيّد واي الرئيسة، تشرب القهوة مع إله فأر اسمه أبولّو سمينثوس وتسافر، بمعنى ما، عبر الزّمن. هذه البطلة التي تقدّمها لنا سكارليت توماس مدججة بالتناقضات لا تتحرّك عندما تسمع جرس الإنذار، تدخّن بشراهة، تنفق معظم ما لديها من مال قليل على الكتب، وتمارس الجنس مع الأشخاص الذين لا يجب أن تمارس الجنس معهم. إنّها طالبة دكتوارة عند دكتور الدراسات الإنجليزيّة سول بيرلوم الذي يعدّ بحثًا عن اللعنة التي تحوم حول كاتب انجليزي من القرن التّاسع عشر اسمه ثوماس لوماس قبل أن تتلقف منه طالبته آرييل هذا الاهتمام بلوماس ولعنته وكتابه الضائع: نهايّة السيد واي.

الرواية بنسختها الانجليزيّة

الرواية بنسختها الانجليزيّة

تعثر آرييل على “نهاية السيّد واي” بالصدفة في واحدة من مكتبات لندن الصغيرة. تقرر أنّ تستجمع قواها وتقرأ الكتاب الذي طلب منها دكتورها بيرلوم أن تغضّ البصر عنه. المخاطرة بالغة البساطة: من يقرأ كتاب “نهاية السيّد واي” سوف يموت. لهذه الجمل المحدودة في مبناها، الخطرة في معناها، أثر شبه عكسيّ في معظم الحالات. إنّ التحذير من الموت عند قراءة كتاب لفتاة مستعدّة أن تعيش على النودلز طوال الشهر من أجل أن تبتاع الكتب يعني، بطريقة ما، تشجيعًا لها على قراءته. هذا الطابع الفدائيّ-المسيحيّ لآرييل سيظر لاحقًا في ثنايا النص وسيعطيها، ولا غرابة، راية كسر العود الأبديّ لفضاء الأذهان (التروبوسفير) الذي تكمن خطورة “نهاية السيّد واي” في إحتوائه لمكوّنات الخلطة التي تمكّن من الدخول إليه.

فكرة التروبوسفير ليست جديدة ولا رياديّة. إنّ “الماتريكس” تشبه التروبوسفير كثيرًا في المنطلق الابستمولوجي النابع من صميم الفلسفة التفكيكيّة: الأشياء ليست كما تبدو. الاختلاف يكمن في الحيثيّات. التروبوسفير ليس عالمًا حقيقيًا ولا زائفًا، إنّه فضاء الأذهان الذي يحضر فيه اللاوعي الفردي والجمعي لكل الموجودات العضويّة على الكوكب، على امتداد خط الزمن على طرفي نقطة الأصل في المستوى الديكارتي. أيّ أن التروبوسفير، والذي يمكن الولوج إليه من خلال خلطة بمكوّنات بسيطة من ضمنها الماء المقدسّ، يسمح للمتجولّ فيه أن يدخل رأس أحدهم ويتمشّى فيه. لاحقًا، تكتشف آرييل  أنّ التروبوسفير ليس مفرّغا من القدرة تمامًا. يمكن بالإضافة إلى الدخول إلى رأس أحدهم العبث في هذا الرأس. شطب الأفكار والإغراء بفعل شيء أو التمنّع عنه. ستكون هذه الميّزة ذات الطابع الربوبيّ  سببًا في نهاية التروبوسفير-أو إدّعاء نهايته.

ليست الفكرة الأمّ في رواية سكارليت توماس جديدة بالمعنى الواسع للكلمة، فما الجديد؟

الجديد في “نهاية السيّد واي” (وهو جديد في فضائنا المعرفيّ العربي أكثر بكثير مما هو الحال في الغرب) يتمثّل في إعادة توظيف المزيج التالي: الأدب + النظريّة + الخيال. يحترف هذه الثلاثيّة قلّة من الكتاب والمثقفين الأفقيين. الإيطالي أمبرتو إيكّو واحد من أهمهم وهو، لطبيعة مجال خبرته الأكاديميّة، يركّز في أدبه على القرون الوسطى، وفي نظريّته على الفلسفة الكلاسيكيّة واللسانيّات، وفي خياله على خدعة واحدة مألوفة. أمّا سكارليت توماس التي أبدعت عملاً أدبيًا “به مسحة من السرور، وله رائحة قويّة من الكبريت” فاختارت لنفسها، في تطبيق أمثل لما قاله فيرغاس يوسّا عن أكل المؤلِّف لنفسه، تفضيلات مغايرة وأكثر حدّة وشبابًا.

الأدب عند سكارليت توماس أدب يركض، لا يتمشّى. يشتم، ولا يعتذر. أدبٌ سريع لكنه لا يمكن أن يمرّ من دون أن تلحظه. أمّا النظريّة فهي تتراوح بين هايدغر الذي تغوص الرواية في بحور أفكاره عن الزمن والوجود، وبين دريدا الذي يبدو أبًا روحيًا لآرييل الفخورة بأنها استطاعت أن تفهمه نظريّته حول الاختلاف. أمّا الخيال، وهنا تتقاطع سكارليت توماس مع مؤلَّفين آخرين كُثر من المابعد حداثيين والتفكيكيين، فهو خيال علميّ-أرضيّ لا يملّ من التفصيل والشرح والتفكيك بغية إثبات نفسه. وهنا تتجلّى قدرة ورغبة سكارليت توماس على الاستعراض: فيزياء الكم، النظريّة النسبيّة، كتلة الرّوح البشريّة (ادّعى د.دونكان ماكدوجال أنّها تبلغ 21 غرامًا)، نظريّة الخلق، نظريّة التطوّر، نظرية الوعي، نظرية الإنفجار العظيم .. وتطول القائمة.

وفي “تطول القائمة” هذه تكمن واحدة من ميّزات “نهاية السيّد واي” الأدبيّة التي تقرّبه من عناوين كبيرة في تاريخ الرواية الأوروبيّة مثل رواية إيطالو كالفينو “الفارس الذي لا وجود له”، وعمل جويس الأشهر “عوليس”. إيراد القوائم، واللوائح، والتكرار، ونسج الروابط، والتعداد الشاق لعدد يكاد يكون لا نهائيًا من الأشياء ميّزة عموديّة في فنّ الروايّة الغربيّة. وإن كان هذه الاشتغال جليًا أكثر في الأعمال الكلاسيكيّة، لاسيّما أعمال القرون الوسطى، إلا أنّه ما يزال يطلّ برأسه في العناوين الجديدة و”نهاية السيّد واي” ليست استثناءً.

تورد آرييل لنا قوائم في أكثر من موضع. منها، مثلاً: “أحسّ الآن بعواء يذكر بشيء ما: “طبقات من مخاوف آخرين. خوف من دمى تقول لك “أغرب عن وجهي”، خوف من حرب نوويّة، من طفل يغرق، من الاختناق بشوكة سمكة، من سرطان الرئة، من أورام المخ، من الزحام، من طبيب الأسنان، من بلع لسانك، من قدمك، من الأحلام، من الكبار، من الأسنان الصناعيّة، من الانتحار، من الدم، من العناكب، من فتق الرحم، من انقطاع النفس، من الأكل، من الصراصير، من الأكياس البلاستيكيّة، من المرتفعات، من مثلثت برمودا، من الأشباح، من مكعبات الثلج، من الشيخوخة .. إلخ إلخ”

جديد الرواية، إذًا، هو إعادة توليف الجديد -والذي هو بدوره إعادة توليف لجديد سابق- مع إجترار لبعض الثوابت الهولوديّة: يبحث عميلان سابقان من وكالة المخابرات الأمريكيّة التي أنهت مشروعًا يتعلّق بالسيطرة على أذهان الناس من خلال التروبوسفير، يبحثان عن كتاب “نهاية السيد واي” من أجل الحصول على الخلطة و احتكارها أو بيعها في السواق السّوداء – لروسيا ربّما؟ للصين؟ للإرهابيين في أفغانستان؟ يذكّر هذا الاستسهال بما فعله ألفونسو كوارن في فيلمه الأخير “جاذبيّة” عندما حمّل “الروس” مسؤولية الكارثة التي حدثت لساندرا بولوك وجورج كلوني.

في صفحاتها التي تزيد على الأربعمائة، تتبدّى “نهاية السيّد واي” ضخمة ورحبة ومتنوّعة مثل حفل افتتاح أوليمبياد الصّين عام 2008. الكثير من الألوان، من الأضواء، من اللوحات، من المشاهد، من ردود الفعل ومن الربح الرّاهن والخسارة المخبأة. لم تقل سكارليت توماس، وهي أستاذة أدب إنجليزي في جامعة كنت، ما يمكن له أن يوقف سيولة الوقت أو يغيّر حقيقة أنّ “كل الأشياء تحت المجهر الالكترونيّ ستبدو متشابهة”، لكنّها قدّمت عملاً أدبيًا شهيًا مفرودًا على طاولة يتوزّع حولها أكثر من 150 ألف قارئ اشتروا الرواية بنسختها الإنجليزيّة.

حتّى يزهّر ياسمين

يونيو 3, 2014

لا تتذكر أين ومتى لكنك تعرف أن غسّان كنفاني قال شيئًاعن الفراغ الذي لا يمكن التحايل عليه وعن الحفرة التي لا يمكن ردمها لا بالمدن الأنيقة ولا بأعقاب السجائر . وأنت، من حيث تقف، بالغ الأسى والهشاشة، تؤكّد بعيشك اليوميّ على كلامه. تنام وتصحو مع فكرة الوطن هذه. تقلّبها بين يديك وتضجر منها فترميها في الخزانة قبل أن تعود راكضًا كي تعتذر منها وتشرح لها أنّ الألم يتعدّى أحيانًا حدود قدرتك على التحمّل.

فلسطين فلسطين فلسطين. ألا ملعون أبو فلسطين. ألا كس إم فلسطين. أجمل شيء في الدنيا فلسطين. أزكى شيء في الدنيا فلسطين. حبّة شوكولاتة بالحليب فلسطين، قوّار نعنع على الشرفة، حمّام ساخن بعد الهرولة، “حالة عشق لا تتكرر يا عبد الله فلسطين”، فلسطين فلسطين فلسطين. تتمنّى لو تسمح لك فلسطين أن تضربها كفّين لترى، فقط، ما الذي يمكن أن يحدث.

وفوق هذا كلّه، تغار أنت من كل الذين يحملون البنادق من أجل فلسطين. تقرأ لفلسطين وتكتب لفلسطين وتتمكّن أن تقنع نفسك في أكثر من مناسبة بأنّك وإن لم تكن فدائيًا كما يتوجّب فإنك، على الأقل، لست عقبة في طريق تحرير فلسطين. لكن هذا لا ينفع وولا يبلّ الريق. كلّ الذين لم يحملوا بندقية من أجل فلسطين لم يعرفوا معنى “أن تفعل شيئًا” بحقّ من أجل فلسطين. الشعر مهم طبعًا، والرواية، والمقال، والتحليل والتنظير والمسيرات السلميّة وندوات الجامعات والاضرابات والتسلّح بالمعرفة، هذا كلّه مهم لكنك، في لحظات التأزّم الحادّة كالإبر، تعرف أن بإمكانك أن تضعه كلّه في كيس بلاستيك أسود وتدحشه في مؤخرتك. 

«عبد القادر ناصب شّادر فوق الشّادر رشاشات»

«أوّل واحدة بحيفا، والثانية بعتليت»

«واحرس ضياء الشمس»

«حتّى يزهر ياسمين»

«لشطّ البحر غنّينا»


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 3٬698 متابعون آخرين

%d مدونون معجبون بهذه: