سرحات فلسطينية


لا جائزة أورويل، ولا الاشادات العريضة بالكتاب والتي جاءت في صفحته الأولى، على لسان جرائد مثل النيويورك تايمز والصنداي وناقدين كبار أمثال جون سيتون، ولا حتى الغلاف الأنيق الذي لا تكلّف فيه هو الذي دفعني لشراء هذا الكتاب. ابتعته على عجل فور وصولي إلى مصر، السبب الحقيقي كان شعور الغربة الذي صفعني في “وطني العربي”، فما كان منّي إلا أن أتجاهل أبسط قواعد شراء الكتب، متمثلة في البحث عن نصيحة من البائع، أو حتى قراءة التعريف بالكاتب، فأبتاعه بعينين في قلبي لا تريان غير فلسطين وما يتعلق بها. ولا أخفي عليكم ولا على نفسي، أن حكمي على الكتاب، ودرئي لاحساس اني انفقت 25 جنيهًا هباءً، جاء متأخرًا جدًا، إذ لم تدفعني كل تلك الوصوف المزخرفة لتلال رام الله، والأغوار، والقدس، ولا حتى أثارت اهتمامي العميق قضية أرض ألبينا التي تحتل جزءً كبيرًا من الكتاب وحياة كاتبه كمحامي مخضرم في مجال الدفاع عن شرعية الوجود الفلسطيني في ارض فلسطين، بدأت أنفاسي تتزايد، وسجائري تتزايد، بعد ثلثي الكتاب تقريبًا، عندما بدأ وجه رجا شحادة يطل من خلف النثر المغلق، لتبدأ شاعرية ما بالترسّب بين أصابعي، شاعرية انسان عاش مكافحًا، محاميًا، لكنه وفي ثلث الكتاب الاخير برأيي يثبت أنّه عاش قبل كلّ تلك الوصوف، انسانًا .

الكتاب يتحدث عن الجغرافيا، الديموغرافيا، التاريخ، الجيولوجيا، ويرسم صورة لجزء كبير من أرض فلسطين التي صارت فيما بعد حدود 67، لم يبخل الاستاذ رجا بالبحث عميقًا في ذاكرته، وذاكرة المؤرخين من قبله، ليملئ الصفحات بمعلومات قيمة، ولكني كعادتي، أكره الأكاديمية إلى حد ما، ويغريني التعاطي السياسي، لذا فالكتاب يتحدث أيضًا عن السياسة، ويضيء جزءً كبيرًا من آثار اتفاقية اوسلو الموقعة بين منظمة التحرير و”إسرائيل”، ذلك الجزء كان مظلمًا ظلامًا شنيعًا في عقلي، ولكم أن تتخيلوا رقصة الباليه التي رسمها حاجباي فور ادراكي لما ارد كاتبنا أن يقوله : ” إن النضال الوحيد الذي أرادت المنظمة أن يُعترف به هو كفاحها المسلّح في الخارج”، وعلى ضوء ذلك يبني الاستاذ رجا ادعاءاته بأن الوضع الفلسطيني كان افضل قبل دخول المنظمة، وأنها منحت أشياء ما كانت اسرائيل تحلم بالحصول عليها، مثل السيطرة على الطرق في الضفة الغربية، واعتبار ثلث الضفة “C” منطقة بعيدة عن المنال الفلسطيني، ورفض مكتب تونس الخطة القانونية التي اعدّت داخليًا لحصد نجاحات الصولات والجولات في المحاكم الاسرائيلية، ولبقاء ما هو قيد التداول، قيد التداول، وهي أمور يقول هو أنها كانت لا تزال تشكل بندًا رئيسيا في جدول النضال القانوني الذي كان هو وأمثاله يقودونه في الارض المحتلّة، حتى جاءت أوسلو فوضعت نقطة في نهاية كل الجمل القانونية والسياسية، ورسمت طريقًا “للفوضى” التي يصف بها رجا شحادة تلك الاتفاقية بعد دراسته المستفيضة لها.

على كل الأحوال، الاتفاقية باتت جزءً من المجمل السياسي الفلسطيني المعاصر، وشطبت مؤخرًا من كتب التاريخ في “اسرائيل”، ويا فرحة ما تمّت، ويا خيبة تمّت في “معاليه ادوميم، وآدم، وبيت ايل، وكريات اربع، وكفار ادوميم، وايمانويل، وبراخا*”، والسطر لا نقطة له يا رجا، لا نقطة له يا صديق الوحدة، والخيبة

* مستوطنات اسرائيلية في الضفة الغربية، الآن المطالب هو وقف الاستيطان، لا في الضفة ككل، بل في القدس الشرقية، الجزء الذي يخضع لخطة مفصلة وُجدت – كما يذكر الكتاب – على مكتب جولدا مائير قبل عقود من الزمن، عقود هي الآن عمر “الواقعية السياسية” التي يتبعها الفريق الذي يحكم السلطة الفلسطينية، ويحلم بدولة ما يقول انها فلسطينية، أما ازالة تلك المستوطنات، اما عودة اللاجئين، واما غياب الرغبة في القفز من الشرفة التي أقرأ فيها “سرحات فلسطينية”، فالله أعلم متى، والله أعلم كيف، لذا لا تسألوني متى، ولا تسألوني كيف.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , ,

رد واحد to “سرحات فلسطينية”

  1. صالح خضر Says:

    متابع بصمتٍ يثقل كاهليَّ
    كن بخير يا صديق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: