Archive for the ‘حكايات’ Category

عن هول الكتابة وعنِّي

مايو 27, 2017

قرأت على هاتفي المحمول قبل قليل كثيراً مما نشرته هنا على مدار سنوات. ولقد تملّكتني بعد ذلك رغبة للإعتراف بشيئين اثنين. الأوّل: أن كثيراً مما قرأته أعجبني. وعندما حاولت كعادتي أن أتتبّع منبع هذا الإعجاب وصلتُ إلى احتمالٍ مفادهُ أن وقتاً كافياً قد انقضى لأقرأ ما قرأت وكأنه نصٌ متحررٌ من علاقتي الشخصيّة به. أي أنني قرأتُ شيئاً منفصلاً عنِّي تماماً دون أن أتذكَر بالضبط ملابسات وقوع الحادثة. لعلّ الوقتَ يُخرِج النصّ المكتوب من غرفنا الشخصيّة إلى غرفة خاصّة يستأجرها النصّ لنفسه وقد شبَّ ولمعت عيناه. يؤثث النصُّ غرفته كيف يشاء، ويعلّق على جدرانها ما يشاء، ويستقبل فيها ضيوفه بحلوهم ومرِّهم.

وثمّة احتمال آخر لإعجابي الذي وَضعته ظُلماً وافتراءً تحت أكثر من مجهر. يلعب الإحتمال الثاني لعبة الغمّيضة مع الزمن ويفيدُ بأن قراءة النصوص بعد كل هذا الوقت كانت فعلاً مخصيِّاً ومحكوماً تماماً للحنين الذي لا يُنتِجُ أبداً صورةً واقعيةً، بل مجمَّلة وكاذبةً، عن الماضي الذي انتصر على ماضويّته بأن اخترع الحنين سيفاً مسلطاً على رقبة المرء حتى آخر لحظة في حياته.

أما الشيءُ الثاني الذي أردت أن اعترف به فهو أنني ما زلت أخاف من الكتابة. لم أكتب هذا من قبل. لم أكتب أنني أخاف من الكتابة، وأنني أخاف منها منذ فترة طويلة نسبياً. لكن ها أنا أكتب ذلك في مفارقة منطقيّة شديدة التفاهة. أخاف من الكتابة لأنني، عندما كتبت، كتبت دون توجّس ولا قلق. دون تردد ولا حسابات. كانت الكتابة ممارسة حرَّة تماماً، ومحققةً للذات. أعرف أنّ هذا الفهمَ للكتابة واسعٌ إلى درجة تجمعُ دون خجل بين أعظم الكتّاب في التاريخ ومراهقين يخطون خطواتهم الأولى في مسيرة التفرِّد والفرادة التي غالباً ما تنتهي بالوصول إلى استنتاجات غير سارّة.

إنَّ الهول الحقيقيّ للكتابة لا يكشف عن نفسه بسهولة. الحياة بهذا المعنى بالكاد تكفي ليحاول الإنسان أن يفهم فعلاً ما الذي فَعَله، وما الذي ترتَّب على هذا الفعل. أقف أنا عند هذا المفترق تماماً. أكتب، في مصادفة بحتة، في اليوم الأوّل من رمضان، وأنظرُ إلى فعلتي وما ترتَّب عليها وأحاول أن أفهم ما الذي جرى بالضَّبط. وكيف ترك “هذا الذي جرى” في داخلي سلسلة معقَّدة من المشاعر والنزعات الذهنيّة والحساسية المفرطة التي عادة ما يصحبها، أو يعقبها، لامبالاة مطبقة كتلك التي يتمتّع بها الأخدود العظيم في ولاية أيرزونا.

سأقضي يومي غداً مع ماكس فيبر. يجب أن أراجع ما قاله الرجل حول البيروقراطية والدولة والمصادر الشرعيّة للسلطة. سأحاول أن أنسى أنني أقرأ ماكس فيبر لأنّ الجامعة تريدني أن أقرأ ماكس فيبر. سأحاول أن أقرأه لأنني أحبّ ذلك. وأنا أحبّ ذلك فعلاً. لكن الحبّ إذا ما اشتمّ عن مسافة سفر أربعين يوماً رائحة الإلزام فإنّه يتعكَّر. خديعة أخرى يكتشف المرءُ تَعرّضه لها متأخراً: القراءة في مؤسسة مضبوطة ومليئة بالتقييم والاختبار ليست كقراءة الهاوي الذي يستعين بالنصّ المكتوب، بالدرجة الأولى، ليقنع ذاته بأنه أكل العالم على الغداء قبل أن يأكله العالم على العشاء. قلت ذلك لدكتورتي التركيّة معوِّلاً على تشابه مستقبلاتنا الذوقيّة في التعامل مع الأشياء هنا في العالم الأوّل الجميل المليء بالخراء.

أخبرتها أن الجامعة، في أحد جوانبها، ما هي إلا موقع تقع فيه كل يوم مجزرة ضحيّتها واحدة: الحماسة. أنت تتعلّم؛ يعني هذا أنّك تقف شاهداً على قتل حماستك بأشدِّ الطرق لباقة. يجب أن تموت الحماسة لتصير قادراً على التعبير عن رأيك دون أن تقول حقاً أيَّ شيء. لكن هذا الواقع المؤسف لا يختصر كلّ الجامعة، ولا كلّ تجربتي معها. فأنا أحبّ، بمعنى ما، الأشياء التي أدرسها، وكانت عندي على امتداد العام المنصرم رغبةٌ في تسخير المزيد من الوقت لهذه الأشياء وللأشخاص الذين صادفتهم وأصادفهم أثناء هذه المغامرة. قابلتُ وصادقتُ مثلاً طالبة اسبانية كان أبوها صديقاً شخصياً لياسر عرفات إذ أهداها الرئيس الرمز هدية عند ولادتها. قالت لي اسم الهدية بالانجليزية وطلب مني أن أقول لها المفردة العربية. فأخبرتها وقتئذ وأنا أقلَّب مشروعنا الوطني في رأسي: شخشيخة. الرئيس أهداكي شخشيخة.

أعتقد أنني أحاول بكل كتابتي هذه أن أطرق في الخفاء على أبواب موصدة. أتمسّك بشيء من الإنكار الذي يعفيني من أي مسؤولية محتملة. أنا لم أكتب شيئاً. أردت فقط أن أقول أنني قرأت كثيراً مما كنت قد كتبته هنا. وقد أعجبني نسبياً. أمّا أسباب هذا الإعجاب فقد أتيت على ذكرها ولا داعي لأن أكرر نفسي.

عن النوم والوقت

يناير 8, 2016

كنت في إجازات صيف غزَّة الطويل أسهر إلى أن يتنفّس الفجر ويبدأ صغار الجيران في اللعب تحت شبّاكي. وعندئذٍ، كان رأسي المقلوب يعطي إشارةَ البدء في طقوس النوم. أربط الستائر جيدًا حتى لا يتسلل أيّ خيط من الضوء إلى الغرفة. أتمدد على فرشة اسفنجيّة ترفعني خمس سنتميترات عن الأرض تقريباً. أضع الغطاء بين قدميّ وأرخي رأسي على مخدّات يهوّن من قسوةِ بعضِها لينُ البعض الآخر. هكذا كانت تصنع أمّي مخدّاتها: إمّا قاسية وإمّا لينة. وكأنّ أمّي كانت تحشو المخدّات بشيء من شخصيّتها لا بالقطن وزغب الأقمشة. فأمّي، مثل مخداتها، لا تعرف الحلول الوسط.

كان نومي في تلك الأيّام الغابرة ذو طابع جشع وفج. فأنا كنت أخلد إلى النوم من دون أيّ منغصات فيزيائيّة أو -لا سمح الله- نفسيّة. تلخّص طقوس نومي تلك مجملَ الاشتراطات التي يفرضها على المرء عيشهُ في مخيّمٍ نزقٍ تعدّى حدوده فصار أقرب إلى بلدة يقطنها مائة وخمسون ألف إنسان يعرفون جميعاً أن اليوم المقبل سيكون منسوجاً من ثوب أخيه.

عندما أفكّر في المخيّم وأسترجع أزّقته الضيقة وما يتوالد فيها من أنهار صغيرة كلّما عصرتْ يدُ الله الغيوم، أكاد أشعر من جديد ببللٍ مزعج في الشقّ الأخير من بنطالي. كان هذا البللُ الحاقدُ يفرض نفسه عليّ مهما حاولت أن أتجنّب الغوص في برك الماء الذي تسمّر في وسط الشارع لأنّه لم يعثر على مكان آخر يذهب إليه. يبدو لي أنّ الناس في غزّة يتسمرون في مكانهم، وفي كلامهم، لأنهم -مثل برك الماء- لم يجدوا مكاناً آخر يذهبون إليه.

ولمّا كنت أستيقظ بعد نوم كان يحدث أن يمتدَّ إلى إحدى عشرة ساعة من دون مفاصلة، كان الليل هو أوّل ما أراه وأستأنس به. قطٌّ صغير مدلل هو الليل. أحنو عليه ويحنو عليّ. أربِّت على كتفه وأحكّ له النقطة التي لا يستطيع الوصول إليها وسطَ ظهره. أمّا النهار فأقتله بخنجر في قلبه. أهرب منه لأنني، ببساطةٍ، لا أعرف كيف أتعامل معه، على عكس نقضيه الليليّ الذي كان حلو المذاق خفيف الظلّ. بهدوئه وحبّه الفطري للمؤامرات، كان ليلي المربوط بالبشرية عبر خطّ الإنترنت يمكنني من أن أخلع جلدي وأعيش حياة اللصوصيّة. حينها، وحينها فقط، كنت درويشًا من دراويش المكان والزمان.

ولعلّ النزعة التآمريّة لتلك الليالي الهادئة، الخالية من أيّ جديد على الصعيد الواقعيّ، هي التي أطفت هذه الصبغة السحريّة على ذكرياتي المتعلقة بتلك المرحلة. ففيها كان للتنزّه في شوارع الانترنت الفسيحة والدردشة مع الغرباء حلّاً جذرياً للوحدة، وتقرَّباً من المرأة التي لطالما بدت عصيّة وبعيدة، وكتباً ملقاة على الأرض تنتظر من يمسك بها ويقرأ. وهكذا بدأت أشيّد في ليالي الصيف البعيدة تلك عالماً مجازياً يقوم على القراءة والكتابة والرّغبة. عالمٌ مخادعٌ ولعوبٌ ومتشعِّبٌ ومليء بالمصادفات. عالمٌ كان يكفي فيه العثور على أغنية جديدة، أو إقناع كائن أنثويّ افتراضي بتمرير إيميله الشخصي، للإحساس بنشوة الانتصار.

كانت تلك أيّام الزهو الجسديّ والنفسي وكان الجهاز الهضميّ جديداً مثل سيارة آخر موديل. ولم يكن يخطر في بال المرء أن عليه الإكثار من أكل الفاكهة، أو أن يقلق من شرب السجائر. العيش على السجيّة ومن دون قلق. لندن تعلِّمك القلق. تلحُّ عليك بضرورة ممارسة الرياضة والحفاظ على منسوب واضح من الخضراوات في طعامك. تندم أشدّ الندم إذا ما انتهى بك المطاف في واحد من مطاعم الوجبات السّريعة. في هذه البلاد التي لا حروب فيها، ولا سنّة ولا شيعة، ولا ممانعة ولا إعتدال، اتفق الجميع على تركيز الخوف ناحية مصلحة الضرائب وأورام السرطان.

يقلقني ويعكّر عليّ مزاجي حلولُ الليل في لندن. إذا ما كان التحدّي الفرديّ للمرء في غزّة يتمثّل في قتل الوقت بطريقة فعّالة كلّ يوم، فإنّ هذا التحدّي ينعكس تماماً في عاصمة الإنجليز. فأنت هنا تحاول إنعاش الوقت والتخفيف من سرعته. تطلب منه أن يتمهّل. أن يكفّ ولو للحظة عن الحركة. لماذا أنت عنيدٌ وحقيرٌ على هذه الشاكلة؟ تسألُ الوقتّ الذي لا يسمعك لأنّه لم يعد أصلاً في نفس المكان الذي طرحتَ فيه عليه السؤال. يجري مثل غزال. متى وصلتَ إلى هذه البلاد؟ البارحة! البارحة مضى عليها ثلاثون شهراً!

هم أحسنوا تقسيم الوقت وتشذيبه في هذا الجزء من العالم، ولهذا فإنّ حصّتك منه تبدو صغيرةً مهما كَبُرت. هنا فقط يمكن للمرء أن يفهم المقولة التي رددوها علينا صغاراً. قالوا لنا إنّ الوقت من ذهب. أصدّق ذلك الآن لأنني أرى هذا الذهب يُباع ويشترى، تارةً على هيئة إجازات، وأخرى على هيئة أيّام عمل إضافية مدفوعة، أو عبر منح جماهير السكارى ليلةً واحدةً كلّ عام يعمل فيها المترو حتى ساعات الصباح مجاناً. ووسط هذا النظام الصارم من التقسيمات التي لارجعة عنها، خفّت قدرتي على استطعام الحياة.

ليس معنى هذا أنني أريد العودة إلى الزمان المنصرم. لست سقراط لأتجرّع بشجاعة أسطورية كأس الحنين السّام. سأختار من دون تردد مشروباً آخر من القائمة. أنا لا أريد أن أعود. لا إلى ذلك الزمان، ولا إلى ما قبله. لقد بلغت فيّ هذه الحساسية مبلغاً صرت أتمنّى معه أن تتعطّل قدرتي على العودة نهائياً. أن أفقد هذا الجزء مثلما يفقد مكوك الفضاء أجزاءه شيئاً فشيئاً وهو يلوي ذراع الغلاف الجوّي صاعدًا إلى الأعلى. فمن بعيد فقط، من على بعد مئات الأميال، تبدو الأرض مكاناً جميلاً.

 

سنة أولى لندن

أغسطس 26, 2014

سنة أولى لندن. سنة كاملة. كنت سأقول: فصولٌ أربعة لولا أنّ الفارق بين الفصول، في لندن، ليس جديًا بالمرّة. فالشتاء هنا هو «المعلّم»، والصيف والخريف والربيع صبيانه الذين يرسلهم في مهمّات سريعة حيث يحب، ويعيدهم إلى بيت طاعته متى يحب.

10654173_10202405813094557_632994189_nلم تكن الطائرة التي حملتني من القاهرة مشغولة بكاملها. أتذكر أنّني حظيت بثلاثة مقاعد فارغة لي وحدي ولتوقعاتي وخططي للمدينة الجديدة التي رأيت منها، أوّل ما رأيت، نثارًا ضوئيًا أصفر يشبه أضواء مستوطنة «دوغيت» التي كثيرًا ما تأملتها في سهرات لعب الشدّة على السطح.

التقطت صورًا للمشهد القابع تحت الطائرة. المشهد المتمدد كجثّة. التقطت صورًا كثيرة وما زلت أقلّبها كلّما عَنَّ على بالي أن أنقّب في هاتفي المحمول. أتأملها: بساط أسود كبير، ونقاط ضوئيّة صفراء لا نهائيّة. لم أتجرّأ بعدُ على حذف هذه الصور حتى عندما أكون في أمسّ الحاجة، على هاتفي المحمول، إلى مزيد من «الذاكرة». أحذف صورًا أخرى وأشخاصًا آخرين. فلقد كانت هذه، على الرّغم من كلّ شيء، المرة الأولى التي أركب فيها طائرة في حياتي.

كان صباحي اللندنيّ الأوّل أبيض. أبيض بحقّ. رطبًا ومثبّتًا إلى الأرض ويمكن، لتوقيته، إمساكه باليدين. مشينا، حمزة وأنا، إلى محطّة المترو. قلت له: دعني قليلاً، أريد أن أتأكد أنني لا أمشي في صفحات رواية. إلى هذا الحدّ كنت مأخوذًا، وبماذا؟ بشارع عاديّ في إيست آكتون، واحدة من أبسط مناطق لندن وأقلّها جذبًا للسيّاح.

كانت تلك الجملة بندًا على فاتورة شحّ منسوب الدهشة في حياتي التي دفعتُها، صاغرًا، في أكثر من مناسبة. فأنا، كأجيال بأكملها، كنت أعتبر الذهاب من مخيّم جباليا إلى مدينة غزّة «رحلة» يجب الاستعداد لها والتخطيط وارتداء أفضل الملابس لعلّ واحدة من «بنات غزّة» المتوهجّات كنجم بعيد لا يمكن لمسه تقع في حبّي، أنا إبن المخيّم، من النظرة الأولى. لقد خالط هذا النوع من البؤس القويّ كثيرًا من سنوات العمر. أشعر، عندما أفكّر في ذلك، بالفداحة والتسليم. هذا ما كان، ولن يتغيّر.

ضحك حمزة على جملتي. ولو كان العالم يستمع إليّ في حينها، لكان لزامًا عليه أن يضحك. تمامًا مثلما أضحك أنا اليوم عندما أفكّر في تعامليّ العادي مع الشوارع، وعندما أتذكر ما حملته معي، قبل عام، إلى لندن. كنت أعتقد أنني «نجوت» من القاهرة، وربّما أكون قد نجوت منها فعلاً، لكنني لم أنج منّي، ومن لندن. أفكّر، بعد سنة أولى لندن، أنّ هذه المدينة لو كان لها أن تقول لي شيئًا واحدًا فلابد له أن يكون شيئًا من قبيل: ليس كما كنت تتوقعّ، أليس كذلك؟ ستقول ذلك ونصف ابتسامة صفراء على وجهها.

لقد غيّرت هذه السنة كثيرًا من الأشياء في رأسي. عبثت به مثلما كان يعبث جارنا أبو أحمد بمحرّكات السيارات في ورشته المفتوحة على الدوام، يمدّ يده في جوفها وينحني عليها فيظهر خيط مؤخرته من فوق بنطلون الجينز. يفكّ، ويركّب، ويشحّم، ويقطع، ويوصل، وينادي على الشغّيل لتجهيز الشّاي.

تخلّيت عن أفكار كثيرة، وفتحت الباب لأفكار جديدة. أشرت بيدي لها كي تدخل، ودللتها على طريق الصّالة. رحّبت بها ووضعت ضيافتها كاملة على الطاولة لعلمي أنّها ستمكث كثيرا. خسرت أشخاصًا، وكسبت أشخاصًا آخرين. حدث ذلك فجأة، في غمضة عين كما يقولون. الطبيعيّ أن يتبدّل الناس في حياة المرء، لكن هذا التبدل يحدث، عادةً، بهدوء، وعلى فترات. لكنه حدث معي مُكثفًا، ودون سابق إنذار. وما زلت أحتفظ، وأنا أودّع السنة الأولى في لندن، بكثير من خيبات الأمل، والتحفّظات، والنقمة، والغضب، والاعتذارات، والهواجس، لكنني لا أبدو جديًا في محاولة تصريفها.

أراكمها مثلما كانت تفعل جدّتي مع كلّ شيء. تضعه في صناديق وبراميل وعلب وترميه تحت بيت الدرج: سكّر، زيت، مخللات، دقيق، نحاسيّات، ملابس، وكلّ ما يمكن للمرء أن يتخيّله. «كلّه بيلزم»؛ كانت جدّتي تقول. أقول لنفسي الشيء ذاته كلّما صدف وقمت بزيارة تفقديّة إلى بيت درج حياتي.

وفي السنة الأولى، مرّت علي أيّام وُضعِت فيها كلُّ مُركّبات هويتي في حالة استنفار؛ لغتي، فلسطينيتي، غزّاويتي، لكنني أحسب أنني استطعت عبور الجسر، بشكل أو بآخر. لم أعبره سريعًا، ولم أعبره بمهارة. عبرته وأنا أمسك بجانبيه؛ أتشبّث كي لا أقع. أمشي ببطء؛ خطوة خطوة، في الطريق إلى الجهة الأخرى. الجهة الأكثر نضجًا.

والنضج هذا، كما كان أبي يقول، مرهونٌ بالبهدلة. ولقد ثبت لي قوله أيّما إثبات. كلّما تبهدل المرء، وكلّما شحّت عليه الموارد؛ ماديّة كانت أم عاطفيّة، كلما أُضطر إلى أن ينضج ويبدّل جلده بجلد أقسى، ويتمهّل أكثر قبل إبداء رأيه حول أيّ مسألة، كبيرة كانت أم صغيرة. ومع أنني لم أكن أريد لسنتي الأولى في لندن أن تكون سنة نضج، بل سنة لعب ومشاكسة وراحة، إلّا أنها كانت كذلك.

وفي سنتي الأولى عرفتُ الغربة. هذه المفردة التي كانت غريبةً عليّ حتى بعد ثلاث سنوات قضيتها في القاهرة. ليس ثمّة في القاهرة غربة. القاهرة فيها ازدحام، وفشل، وفوضى، ونهر، وأصحاب، وأغانٍ، وإيقاع حياة سريع. لكن لم يكن فيها، على الأقلّ بالنسبة لي، غربة كالتي سمعت عنها، طفلاً، في أحاديث عائليّة تختصّ بمن سافر من الأخوال والأعمام.

في لندن عرفتُ الغربة. وقد استغرق تعارفنا، وموعدنا الأوّل، بضعة أشهر. لابدّ أننا شربنا، معًا، مئات الفناجين من القهوة. لم نتحدث كثيرًا. قضينا الوقت نتأمّل بعضنا. بدت لي الغربة، أوّل ما بدت، شبحًا. لم أصدّق أنها موجودة. هذه الفكرة الكلاسيكيّة التي أنفر منها مثلما أنفر من الأدب الرديء.

ثمّ كيف أشعر بالغربة؟ لقد تركت المنزل، وأسلوب الحياة الخاص به، منذ سنين طويلة. تركت كلام الناس وضرورة مراعاته، وأسعار السجائر وارتفاعها، وأسلاك الكهرباء وانقطاعها. تركت غابة الاسمنت. تركت الغرف الضيّقة، والفصل بين الجنسين، والحدود المغلقة، وحفظ القرآن الإجباريّ، وطائرة الاستطلاع، والتديّن الزائف، والمتع المخبّأة. تركت كلّ هذا وذهبت بعيدًا عنه، في رأسي، حتى صار مجرّد نقطة في أفق بعيد.

لكنني شعرت بالغربة. هكذا، بكلّ تفاهة. واكتشفت أنّ كلّ ما تركته، لم يتركني. يتعلّق بي مثلما يتعلّق طفل جائع بوالدته. يطاردني ويجعلني أفكّر أنني لا أريد أن أرى العالم بقدر ما أريد أن أريه لأولئك الذين أحب.

لكن الانغماس في القراءة والتعلّم مكنني من تحجيم الإحساس بالغربة. كان هذا أيضًا علامة فارقة في السّنة الأولى. أن أقرأ ما أحب، وأن أدرس ما أحب، وأن أضع قدمي، أخيرًا على مسار أستطيع أن أواجه نفسي وأقول: لقد اخترته أنا، ولم يولد معي. ومع أنني كنت أتمنّى أن لا يكون المسار بالشاكلّة التفصيليّة التي هو عليها، لكنني تيقّنت أن المرء لا يحصل أبدًا على ما يريده بالضّبط – لا في العلم، ولا في العاطفة.

وفي سنتي الأولى مرّ الوقت كرصاصة، وشاهدت الملايين تركب الميترو بخطوة واحدة، وتخرج منه بخطوة واحدة،. رقصت، في سنتي الأولى، ساعات طويلة في نادٍ من ثلاث طوابق، وشاهدت المسيح يصلب في ترافالغار سكوير، ومشيت في شارع عمره أكثر من خمسة قرون، وجلست على طرف آيرلندا لأشاهد اسكتلندا على الطرف الآخر. وفي سنتي الأولى زرت اسطنبول وعمّان، ووقفت لأتأمّل أحيانًا بعض لمحات الجمال الحقيقيّة، والنادرة، التي تقدّمها لندن عندما تقرر أن تتخلى قليلاً، لدقائق، عن طابعها الميكانيكيّ.

وفي سنتي الأولى شعرت أنني لم أفعل شيئًا، ولم أبارح مطرحي. وفي سنتي الأولى شعرت بالبرد، والحبّ، والوحدة، وتحسّنت تحسنًا هائلًا في صنع الشكشوكة. وفي سنتي الأولى صرت عدوًا أفضل لمن يستحقّ عدواتي، وتأكدت من جهلي البنّاء، ومن كرهي للمجوّفين. وشتمت نفسي، والآخرين.

وفي سنتي الأولى، تساءلت مرارًا، وأنا أتأمل نزول المطر –مثلما أتأمله الآن يموّج زجاج نافذتي- عن منبع رغبتي الدائمة بالهرب. كأن رغبتي بالهرب نهر النيل! منذ سنوات طويلة وهي تجري ولا تنضب، ولا تتوقّف، ولا تلين.

محمود درويش وريتّا: ورود بلاستيكيّة وديناصورات

مايو 31, 2014

محمود عمر

نُشر مُعنوناً محمود درويش وريتا، «فتحت قلبي وسأغلقه للتو» في جريدة السّفير.

أطلقت المخرجة ابتسام مراعنة (1975) فيلمها الوثائقيّ الجديد «سجّل أنا عربي» (74 دقيقة) في «مهرجان الربيع» الإسرائيليّ للأفلام التسجيليّة. يستحضر الفيلم المموّل إسرائيليًا علاقتين عاطفيتين لمحمود درويش الشّاب ويقدّمهما للجمهور الإسرائيليّ في قالب بالغ الرومانسيّة. جمعت العلاقة الأولى بين محمود درويش وفتاة يهوديّة اسمها تمارى بن عامي. أمّا الثانية فكانت تلك التي جمعت بينه وبين زوجته الأولى رنا قبّاني.

الشريط الدعائيّ للفيلم (دقيقتان و٢٨ ثانية) الذي نشرته المخرجة على صفحتها على اليوتيوب يبدأ بصوت وصورة محمود درويش وهو يقول: «كل شاعر في العالم حالم. يحلم أن يكون صوته صدى صوت الآخرين» وينتهي بدرويش يطلّق «صوت الآخرين» ويناقض نفسه (وهذا حقّه) إذ يقول: «أنا لا أحبّ التمثيل. إنني بالكاد أمثّل نفسي». في الحالتين، يظهر درويش منزوعًا من سياقه ومختلفًا عمّا تعوّد عليه محبُّوه الفلسطينيون والعرب ويكون كلامه بالعبريّة.

محمود درويش وتمار عامي

محمود درويش وتمار عامي

أرادت مراعنة المولودة عند سفح الكرمل أن تعيد درويش إلى «مربَّعه الأوّل» وتنزع عنه كلّ ما يشبه كلام «المخرّبين» وشكلهم ليصير أكثر قابليّة للهضم عند الجمهور الإسرائيليّ الباحث عن أسباب تسهِّل عليه أن يتصالح مع ذاته وينظر في المرأة. ساعدت «عالميّة» درويش ونزعاته الفرديّة وتناقضاته المخرجةَ في ترجمة بعض جوانب الكليشيه الفلسطينيّ الذي يجسّده درويش إلى العبريّة. صفّق الإسرائيليّون لمراعنة على جهدها الخلّاق وحصل فيلمها على جائزة الجمهور في المهرجان.

أمّا عربيًا فكان تعامل كثيرين مع ما رشح من الفيلم مختلفًا عن التعامل الإسرائيليّ في الشكل لكنّه لم يختلف، للأسف، في المضمون. لم تتجهّز العين العربيّة لتشتبك مع العمل باعتباره دفقة ابتذال أخرى مموّلة إسرائيليًا تمهيدًا لتفكيكه والدفع به إلى الهامش، بل فضّلت وضع العمل على الرّف وركّزت تمامًا مثلما فعلت العين الإسرائيليّة – على صور فتاة يهوديّة في العقد الثاني من عمرها تقف على يسار الشّاعر. إنّها تمارى بن عامي التي عرفها محمود درويش في حفلة لشبيبة الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وعرفناها نحن في شعره باسم ريتّا.

أدّت هذه الفتاة اليهوديّة المولودة لأمّ بولنديّة وأب روسيّ وظيفة عُصابيّة ذات طابع مزدوج: أعطت الإسرائيليين دليلاً على أنّ ضحيّتهم المذبوحة يمكن لها أن تحبّهم وتصلّي، وهي تموت، لإله «في العيون العسليّة». كما وأعطت الفلسطينيين، أوّ ديناصورات المرحلة منهم، دليل إدانة إضافيّا يخدم محاكمتهم الطويلة لمحمود درويش بتّهمة أنّه كان، والعياذ بالله، إنساًنًا.

غطّت هذه الوظيفة المفروضة فرضًا على فتاة في مقتبل عمرها، على ما هو أهمّ وأجدى: نقد العمل الذي دافعت مخرجته عن اللجوء للتمويل الاسرائيليّ وبررته بأنها فعلت مثل هاني أبو أسعد في فيلم «الجنة الآن»، ومثل عماد برناط في «خمس كاميرات مكسورة».

إنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب، بل وينسف كلّ ما قدّمه لنا سلفيُّو العمل الوطني من صراخ ونميمة، وكلّ ما قدمّه حرّاس الكليشيه الفلسطينيّ من ورود بلاستيكيّة.

تركت الفتاة اليهودية محمود درويش لتلتحق بالجيش الإسرائيلي. لم يمنعها حبُّها من أن تغنّي «هاتيكفاه». كما وأقدمت بعد ذلك على قطع علاقتها بدرويش نهائيًا كي تبقى «داخل الدائرة الإسرائيلية». بادلها درويش الجفاء وخرج من حيفا إلى موسكو ثمّ بيروت وعبّر لريتّا في إحدى رسائله عن أولويّة الصراع قائلاً لها: «فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء».

أين هو «النوم مع الأعداء» إذًا؟ لماذا يُتوقّع منا أن نطلق النار على درويش لأنّه «أحبّ يهوديّة» – والخوض في هذا يطول – ونُمنع من رؤية الصورة الأكبر التي ترك فيها تمارى ومحمود بعضهما ليتفرّغا كلٌ على جانبه من المعركة؟ ألا تعطينا هذه القصّة نهاية مُعاكسة لتلك النهايات السعيدة التي يقع فيها الفلسطيني في حبّ الجنديّة على الحاجز، أو يهرب فيها المثليّ من رام الله إلى جنّة تل أبيب؟ لماذا نقرأ «ريتّا» و«عيوني» ونغمض أعيننا عن «بندقيّة»؟

كان محمود درويش يكتب ويعيش في الزقاق الفاصل بين الشخصيّ والعام. لقد استفاد من كونه فلسطينيًا لكنّه، أيضًا، شئنا أم أبينا، خدم الفكرة الفلسطينيّة في أكثر من مفصل. لم يكن الرجل خجولاً بأفكاره ولا بما قرر تركه وراءه. لقد أشار بنفسه في أكثر من موضع، قبل خروج وثائقي «سجّل أنا عربي» إلى العلن، بأنّ ريتا فتاة يهوديّة. وليس المرء إن قرر نقد محمود درويش في عازة إلى أن «يتّهمه» بريتّا، أو أن يأخذ عليه، في إشارة ذكوريّة بالغة البؤس، بأن اليهوديّة التي أحبّها، بالإضافة إلى كونها يهوديّة، «لم تكن جميلة».

تماهى صاحب «مديح الظلّ العالي» مع مشروع الحكم الذاتي الفلسطينيّ وأشار علينا بأفعاله وقصائده في أكثر من مناسبة بضرورة أن نقلب الصفحة بعد «سجّل أنا عربي». إذا كنّا سنتمنّع، تحت وطأة منطق الفضيحة الشخصيّة وحساب النقاط، عن الاعتراف له ولمن نختلف معهم بما أنجزوه وما مثّلوه، فلنحرق إذاً كلّ قصائد درويش. ولنحرق، أيضًا، كتب وروايات غسّان كنفاني الذي خان زوجته. فلنحرق كلّ شيء.

الحداثة المعكوسة في الصّورة الفلسطينيّة

مايو 29, 2014

محمود عمر

نُشر هذا المقال في ملحق السّفير العربي.

أدرك الفلسطينيون في وقت مبكر أهميّة «الصورة»، واستشعروا إمكانيّة أن تقف هذه الأخيرة في صفِّهم. كان الفَهم الفلسطينيُّ الأول للصورة، حاله حال الفهم الأوّل للكلمة والبندقيّة، فهماً مادياً بامتياز: الصّورة أداة من أدوات إنتاج الحقيقة. تطوّر هذا الفهم على مدار سنوات الثورة الفلسطينيّة وخضع لعمليّات نقد تراكميّة حرّة حتى صار أقرب إلى ما قالته الناقدة الأميركيّة سوزان سونتاج: ليست الصّورة أداة إنتاج للحقيقة، بل أداة إضفاء طابع حقيقيّ على الأشياء.

«والبحر صورتنا»

شعار وحدة الأفلام الفلسطينيّة

شعار وحدة الأفلام الفلسطينيّة

مثلما أضفى الله على الإنسان طابعاً حقيقياً إذ جعله على صورته، حاول الفلسطينيون مع انطلاق ثورتهم إطفاء طابع حقيقي على كلّ ما أنتجوه ونتج منهم، على كلّ ما فقدوه وسقط منهم: فلسطين، المخيّم، عمّان وبيروت التي ضاع أثناء الخروج منها القسم الأكبر من الأرشيف وانقطع على شاطئها الخطّ الزمني للحكاية الفلسطينيّة. فُقدت في بيروت كميات مهولة من المواد البصريّة والمكتوبة تحت القصف، أو ذهبت بأيادي الكوماندوز إلى إسرائيل التي سرعان ما وضعت كلَّ ما وصل إليها خارج التّاريخ. لكنّ الضياع لم يكن ضياعاً مطلقاً.

استطاع فنّانون فلسطينيون وعرب وأجانب إنقاذ بعض نتاج تلك الحقبة الزمنيّة وطاروا به إلى جهات الأرض الأربع. وعلى الرّغم من أن الاستسلام الفلسطينيّ الرسمي في أوسلو قد وقف حائلاً دون سرعة الاشتغال على ما لم يدمّر أو تسرقه إسرائيل، بما يمكِّن من إعادة تملّك الخط الزمنيّ للصورة الفلسطينيّة، إلّا أنّ بوادر معطوفة على تلك الضرورة قد بدأت تخرج إلى العلن، لا سيّما أنّ أوسلو وما فرضته من رجعيّة فكريّة على العقل الجمعي الفلسطينيّ قد وصلت إلى حالة مطْبقة من الفشل السكونيّ.

«والبحر يسمع…»

عكفت مؤسسة الأفلام الفلسطينيّة منذ مدّة على مهمّة تشتبك بشكل مباشر مع الصّورة الفلسطينيّة. أطلقت المؤسسة مشروعاً يختصّ بالبحث عن الأفلام الناجية من تراجيديا الخروج من بيروت، والحصول عليها بغية حفظها وإعادة ترجمتها وتحويلها إلى صيغة رقميّة لإعادة إكسابها ميّزتها الوجوديّة الأهم: أن تكون أفلاماً قابلة للعرض بشكل جماهيري. ظهرت أولى نتائج هذا المشروع مع إعلان المؤسسة عن انطلاق فعاليّة «العالم معنا» في لندن، التي تستمرّ من 16 أيار/مايو إلى 14 حزيران/يونيو، وهي ستعيد اكتشاف أكثر من ثلاثين فيلما أُنتجت من مواضع ومسافات مختلفة من الثورة الفلسطينيّة في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي.

ستعرض من خلال الفعالية أفلام من إنتاج «وحدة أفلام فلسطين» التي تأسست عام 1970 وقامت على مدار سِنِيِّ عملها بإنتاج أكثر من 15 فيلما بين المتوسّط والقصير. ستشمل الفعالية أيضا أعمالاً لمخرجين عرب وأجانب اشتبكوا فنيا مع الثورة الفلسطينيّة، مثل المخرج العراقي قيس الزبيدي، واللبنانيّة نبيهة لطفي، والايطالي لويجي بيرلي، والفرنسي جان لود غودار الذي أخرج فيلم «هنا وهناك» عام 1974. لا تكمن أهميّة وقيمة هذه الأعمال في كمِّها أو طابعها التوثيقيّ فحسب، بل في كَيفها وسمتها الفنيّة أيضاً. فهي تطرح تساؤلات متعلّقة بالمقاومة الفنيّة والحداثة بمعنييهما العام، كما تتيح فرصة حقيقيّة لتسليط الضوء على جانب مهم ومغبون من الثورة الفلسطينيّة، المتعلّق بأنّها كانت ـ على ما كان فيها من علّات ـ حاضنة أساسيّة للفنّ العربيّ ومحطّة إنتاج وتوزيع رئيسة للصّورة والمعنى.

«واسحب ظلالك من بلاط الحاكم»

وحدة الأفلام الفلسطينيّة

وحدة الأفلام الفلسطينيّة

أوّل ما يستنتجه المشاهد لهذه الأعمال، وما تقدّمه من لمحة عن الظروف الاجتماعيّة التي جعلها ممكنة، هو انّها تتسم بكثير من الحداثة الثوريّة التي نهجس اليوم باحثين عنها. إنّها أفلام خرجت من رحم المشروع الجمعيّ والتجربة التي تَلاقح فيها الشخصيّ مع العام. أفلام تصوّر معاناة الفلسطينيين وشتاتهم لكنّها لا تثبِّت الفلسطينيّ في حيّز الضحيّة. في هذه الأفلام، يظهر الفلسطينيّ باعتباره حالة رفض لإسرائيل وأنظمة القهر العربيّة، ولكنه يظهر أيضا في حالة ضجر خلّاقة من ضحويِّته ومحاولات تقديمها على أنها سرديّته الوحيدة.

في فيلم «الزيارة» (1970) يظهر الشوط التقدميّ الطويل الذي قطعته الفكرة السينمائيّة في منطقتنا واتساع رقعة تفاعلها مع السينما العالميّة. تذكر الطريقة الوحشيّة التي يتمازج فيها المشهد بالموسيقى التصويريّة بالمدرسة التعبيريّة الألمانيّة وبأعمال عمالقة مثل بيرغمان وتاركوفسكي. يحظى المشاهد في فيلم «شهادة أطفال في زمن الحرب» (1972) بإطلالة على الطابع التجريبيّ الذي وَسم كثيرا من النتاج الفنّي الذي قدّمته الثورة الفلسطينيّة بشكل مباشر، أو عملت على تثويره من خلال علاقات الدعم والتوزيع.

في الفيلم، تقوم الفنانة منى السعودي بتوزيع مئات الأوراق البيضاء وعلب الألوان على أطفال مخيم البقعة بعد 1967 مباشرة وتطلب منهم أن يرسموا كلّ ما يخطر على بالهم. يرافقها في المشروع المصوّر هاني جوهريّة الذي استشهد لاحقاً في بيروت. يقوم قيس الزبيدي بدمج الصور التي أخذها هاني جوهريّة، وهي بالأبيض والأسود، مع صور ملوّنة أخذها هو بنفسه لما أنتجه الأطفال من لوحات. يخرج الفيلم في صورته النهائيّة تجريبياً وإبداعياً، يشتبك مع مسألة في غاية الدقّة: أيّها له وقع حقيقيٌ أكثر على وعي المشاهد، الأبيض والأسود أم الألوان؟

«ذهب الذين تحبّهم، ذهبوا»

في وسط مفرّغ من المعرفة كما آلت إليه الحالة الفلسطينيّة، يكون الافتراض المنطقيّ الأسلم بأنّ الصورة الفلسطينيّة، بوضعها موضع التحريك من خلال السينما، قد تطوّرت بنيوياً عن الأعمال التي تعرضها فعالية «العالم لنا». لكنّ إقحام الرّاهن الفلسطينيّ في المعادلة ينسف هذا الافتراض من جذوره. عندما نتحدث اليوم عن الأعمال الفلسطينيّة المرئيّة ونقارنها بما تقدّم عرضه، فإننا نشعر وكأنّ عقارب السّاعة تسير، بشكل ما، إلى الوراء.

تمكّنت الثورة الفلسطينيّة، في وضع تاريخيّ دقيق، من أن تقزّم المسافة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وأن تجعل من كلّ ضحية مؤكدة مقاتلاً محتملاً في مجاله. فرضت الثورة نفسها على القصّة والرواية والصورة، وكانت خير مثال على التبادليّة التي تحكم التفاعل بين الموجود الاقتصاديّ والموجود الفكريّ. كانت الثورة في حدّ ذاتها نظرية اعتنقها الملايين فتحوّلت بذلك إلى قوّة ماديّة مهولة لها القدرة على الانتاج في المخيّم والمدينة والبلد. مع الخروج من بيروت وتوقيع اتفاقيّة أوسلو، انتفت الثورة تماماً، وانتفى كلّ ما كانت تمارسه على النتاج الفنّي المتعلِّق بفلسطين، ودخل المعنى الفلسطيني صحراء التيه.

يمكن للمرء اليوم في معرض حديثه عن الأفلام الفلسطينيّة التي خرجت إلى النور بعد تشكيل السلطة الفلسطينيّة وبدء ضخّ أموال التمويل الأوروبيّة والأميركيّة، أن يتطرّق إلى أعمال جيّدة، وأخرى رديئة، لكنّه قطعاً لن يجد أعمالاً ثوريّة بالمعنى السياسيّ والاجتماعي والثّقافي. عادت عدسات الكاميرات لتصوّر في الفلسطينيين معاناتهم أو تمارس عليهم أنواعاً مختلفة من الاستشراق والتثبيت داخل الإطار.

يعني هذا، على سبيل الاستنتاج، أنّ الحداثة معكوسة تماماً في الصّورة الفلسطينيّة. إنّ الأفلام التي رعتها الثورة وأنتجها مخرجون فلسطينيون وعرب وأجانب بكاميرات 16 ملم وعالجوها بأقلّ الإمكانيّات (معمل الألوان الوحيد كان في بعلبك) في ستينيات وسبعينيّات القرن الماضي كانت أكثر حداثة وتقدميّة وجمالاً بكثير من الأفلام التي تخرج علينا اليوم بصور بالغة الوضوح ويصل مخرجوها أحياناً إلى مهرجانات عالميّة. ليس هذا حكماً عاطفياً بل نقداً يتوخّى الموضوعيّة ويعرف أن عقارب السّاعة لا يمكنها أن تسير بالمقلوب إلى الأبد.


%d مدونون معجبون بهذه: