الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون قال: إنّ جابر بن حيان هو أول من علّم الكيمياء للعالم؛ فهو أبو الكيمياء. ولا اظنّ فرانسيس هذا كان يحابي بن حيان حين أعطاه تلك المنزلة الرفيعة؛ الرجل كان أوّل من مارس الكيمياء فعليًا، أبدع في المؤلفات النظرية (كتب حوالى 3000 مخطوطة) كما أبدع في التطبيق العملي، إذ اكتشف عددًا غير قليل من الأحماض، ناهيك عن طرق تحضير وتحليل المواد الكيميائية كالتقطير و التبخير والتصفية والانصهار والتبلور. بكلمات أخرى: جابر بن حيان هو برنس الكيمياء بلا منازع.
ولمّا كان جابر بن حيان خطيرًا إلى ذاك الحد، فلقد عزّ على الدولة المصريّة الحديثة أن تجعله يمرُّ -تاريخيًا- مرور الكرام، وأن تترك ذكره محصورًا في كتب الزمن الغابر ومؤلفات العلوم التي لا يلتفت لها العامّة المنشغلون بالطريقة الأمثل للحاق بالأوتوبيس. وبناءً على ذلك، جاءت تسمية شارع فرعي ضيّق نسبيًا في حيّ الدقي الواقع في محافظة الجيزة، أحد أهم المحافظات المصريّة، باسم العالم الكيميائي اللامع. وفي شارع جابر بن حيان المذكور، والذي يتضمن مستشفى للولادة، ويتفرّع منه شارع يقود إلى مدرسة أجنبية، ثمّة حاجز عسكري يقف عليه عادةً جنديان يتناولان سندويتشات فول وطعميّة ملفوفة بجريدة الأهرام أو الأخبار اليوم ويراقبان بضجر (مصطنع ربما) النّاس من حولهم.
على ذلك الحاجز المضمّخ برائحة الفول والمخللات، وقف محدثكم أكثر من ستّ مرات مشهرًا بطاقته الجامعيّة. يطلب مني في كلّ مرة أحد الجنديين فتح حقيبتي، أفتحها، يلقي نظرةً ويشير إلى بالدخول. الطريق من بعد الحاجز ليس طويلاً على أي حال، بضع خطوات حتى تجد مستطيلاً أزرقًا (يشبه اللوحات التي تكتب عليها عناوين عيادات ومدارس الاونروا) يشير النصُّ المكتوب عليه إلى مكتب استقبال المراجعين. أدخل فيرنُّ جهاز كاشف المعادن لكن أحدًا لا يبالي، “عم سعيد” يجلس على مكتبه يقرأ الجريدة ولا يقرأها، وبضعة مراجعين يرتمون على الكراسي في انتظار ما ينتظرونه. أهلاً بكم في إدارة امن الدولة – قسم الجيزة.
كسّم حبيب العادلي بتاعكم
ربّما يختلف في كل مرة موعد وصولي، لون قميص “عم سعيد”، عدد المراجعين، حالة الطقس، لكنّ غايتي من المجيء هي نفسها دائمًا: لقاء الضابط طارق الصيّاد المسؤول عن “الملف الفلسطيني” في محافظة الجيزة. لماذا أريد أن أقابل الضابط؟ لماذا قضيت عامًا كاملاً ما بين فرع امن الدولة في ستة أكتوبر ومبنى الداخلية في لازوغلي وإدارة أمن الدولة في الجيزة؟ الاجابة في حالتي طويلة عريضة ولا مجال لسردها بالتفصيل، لكنها بالعموم، وضمن اطار الصورة الاكبر، بسيطة ويمكن تلخيصها في كلمتين: لأنّي فلسطيني.
المهم، عبأت الطلب الذي حفظته عن ظهر قلب، سلّمته للحيوان سعيد هذا، نظر إليه ومرره إلى أحد المستخدمين الذي أوصله بدوره إلى عامل الهاتف، ومن ثمّ جلست، كالعادة، أنتظر على أحد الكراسي وأنا ألعن أخت هالقصة. أنتظر دون أن أكون قادرًا على القراءة، من يأتيه مزاج للقراءة في مكان عفن كهذا؟، لم يكن باستطاعتي غير تأمل السجادة حينًا، والسقف حينًا، والقادمين من الباب المزوّد بكاشف المعادن حينًا آخر، وارخاء سمعي لما يدور من أحاديث بين “العم سعيد” وأحد المستخدمين. كانت تلك “زيارتي” الأولى للمقر بعد هروب بن علي، وكان أثناءها أن سمعت الحديث التالي:
– شفت حصل إيه في تونس؟
– آه شفت، دول خربوا البلد. عملوا زي ما الفلسطينيين عملوا في الكويت. حاجة تقرف.
– لكن بالك يا عم سعيد الكلام ده ممكن يحصل عندنا؟
– انت حمار يَله؟ انت فاكر نفسك فين؟ احنا عندنا دولة، عندنا حكومة يا حيوان.
– لا لا ما أئصدش، أنا بسأل بس.
– ما تسألش، عاوز تسأل روّح عند أمك يا روح أمّك.
ينتهي حوارهم وينتهي انتظاري بأن أنال الرد الجاهز : تعال بكرة. أحمل حقيبتي وأخرج كما دخلت، او هكذا اعتقدت حتى قضى الشعب أمرًا كان مفعولا .. ولا يزال.
أنا واحد من الذين ولدتهم أمّهاتهم أثناء حظر للتجوّل. أنتمي لجيل كان لا يزال يتعلّم كيف تنتصب القامة، ويكون المشي سليمًا لا ترنّح فيه، في الوقت الذي كانت فيه “القيادة” قد أتقنت فنون الزحف. ثلاثون شهرًا كان قد مضى على وجودي في هذا العالم عندما صافح ياسر عرفات إسحاق رابين معلنًا إنهاء الانتفاضة، ثلاثون شهرًا لم أكن أستطع خلالها أن أوزّع منشورًا، أو أن أكتب على حائط، أو أن أقذف جيبًا عسكريًا بالمولوتوف. كنت مشاركًا بصمت، كنت الخطة ب، أحد الذين لم يعايشوا الانتفاضة لكنّهم ما أن بلغوا سنّ الحنين الواعي حتى انكبوا على الكتب والملصقات، أصغوا بأذن شغوفة إلى مقابر الشهداء، سألوا البعيد قبل القريب، ودوّنوا ما حصّلوه من علوم ودموع في أقصى يسار الذاكرة، وهمسوا في أذن طموحهم: كلُّه سيلزم. اليوم، في الذكرى الرابعة والعشرين لانتفاضة الحجر، لا زال ذلك الكلُّ يلزم، ولا زال ذلك الكلُّ عصريًا ومعاصرًا، بل وربّما كان مُلحًا.
كيف لا يكون مُلحًا اليوم، وعشرات المنظمات والهيئات وأشباه المثقفين يزرعون في حقل الوعي الفلسطيني سمومًا على سبيل “بدنا نعيش”، أن نستحضر قول طفل في الخامسة عشرة من عمره، من مخيّم الدهيشة في بيت لحم، حين قال: “ما دام هنالك احتلال فنحن لا نملك حياة خاصّة”. إن هذه الجملة، على بساطتها، لموغلة في فهم الاحتلال ومعناه، ولقادرة لوحدها،بمفرداتها البسيطة، على أن تهدم كلّ ما بنوه من مجمعات تجاريّة تبيع النّاس اغترابًا، وصروح ثقافيّة شعارها الأوحد تشويه الثقافة.
شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم، ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.
شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.
شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.
كنتُ طفلاً حين قرأت للمرّة الأولى جملتك التي تقول فيها: الي بدّو يكتب لفلسطين، واللي بدّو يرسم لفلسطين، بدّه يعرف حاله ميِّت. لم يصعب عليّ في وقتها أن أجد تفسيرًا لموتنا المحتّم إن نحن اجتهدنا في الحياة؛ إسرائيل. ولدتُ أثناء حظر للتجوّل وعلى بعد نصف ساعة بالسيّارة من مفاعلها النووي، فكيف لا تكون هي، البلد المفتعل القبيح، علّة موت الكتّاب والرسّاميين ؟. هذا وظلّت إسرائيل وحدها مرتبطةً بمقولتك حتّى كبرت بالحدّ الكافي -وليتي ما كبرت- لأكتشف الأنظمة العربيّة. بعض الأشقّاء العرب هم أيضًا من مسببات الوفاة. اليوم، بعد أربع وعشرين عامًا على رحيلك، أضيف سببًا جديدًا، قد يبدو هامشيًّا، لكن الموت نفس الموت. الّي بدّه يكتب عن فلسطين، أو يرسم لفلسطين، أو يحب فلسطين، بدّه يعرف حاله ميّت؛ من القهر.
والنسيان، كما أظنّه قصده، هو ذاك الذي يتسلل، لا الذي يتم إدخاله عمدًا، إلى بيوت الذاكرة. النسيان العادي، الناعم، الذي لا يملك أجندات خارجيّة. ومع ذلك فهو في رأي الراحل الأديب، ورأيي المتواضع، آفة ومصيبة سودة. فما بالكم بنسيان متعمّد، بمنظومة كاملة يُراد بها شطب الذاكرة وجعل النسيان إدمانًا وصلاةً تُقرّب المواظب عليها إلى قلب الحاكم وفردوس “الواقعية السياسية”، منظومة يأتيها الدعم من أقصى شمال أوروبا ومن بلاد النفط. تختلف العناوين والغرض واحد: النسيان المعتمّد وخلق جيل لا يملك مساحة في التّاريخ، ولا يجرؤ على أن يضع اصبعه في عين المستقبل، جيل لا يعلم أن الفارق بين البندقيّة والوردة فارق توقيت لا أكثر. بماذا يوصف ذاك النوع من النسيان الذي يراد لنا أن نمارسه؟ النسيان الذي سيعمينا عن بوستر كهذا طبع قبل حتى يفكر الهبيلة أبو مازن في كل هذه الدوشة إزاء ايلول ويزمّر له الحالمون بدولة جيب الكنغر. أعتقد أن بئرًا من الخراء ليترفّع ويرفض بكل قواه الخرائيّة أن يشبّه به، فهو نسيان الاتفاقيّات، والعناوين المبدّلة، والنصف موقف، والربع محاولة. ولذا؛ هذه محاولة صادقة للضغط في الإتجاه الآخر، في إتجاه الذاكرة، في إتجاه البعد عن الآفة، ونحو حارة أفضل.