Archive for the ‘حكايات’ Category

2010

جانفي 3, 2010

.

– عام جديد، لم يغيّر بالنسبة لي سوى مظهر التاريخ، 2010 تبدو أكثر جمالاً، ربما لأنّ الأصفار فيها قد ابتعدت عن بعضها قليلا، وبما أننا نحن العرب قد اخترعنا الأصفار، فنحنُ أحق النّاس بأمنية ورديّة في هذه السنة، أَن نبتعد بدورنا عن الأصفار قليلاً، ولو حتّى إقتداءً بعام جديد.

– المدوّنة أكملت عامها الأوّل، كنت أفكر في كتابة مقال طويل وعريض في التدوين وتجربتي معه خلال عام منصرم، ولا يزال سؤال ” لماذا ندوّن ” يبدو مغريًا في نظري، وكذا العديد من الانتقادات والآراء حول أروقة المدونات تقفز في رأسي كحبّات الفوشار، لكنّ أصابعي لم تمتلك على ما يبدو من الطاقة ما يكفي حتّى أكتب المقال ” الطويل العريض ” أعلاه.

– ” المصائب تأتي دفعة واحدة ” ، الذي قال المقولة السابقة شخص لئيم، لا يملك أيّ اهتمام بما يجعل الإنسان إنسانا، قالها محاولاً أن يبدو على قدرٍ عالٍ من اللامبالاة والفطنة، أو ربما كاستسلامٍ مموّه ببعض من الحكمة، كلُّ صفاته السيئة الآنفة،  وصفات سيئة أخرى قد أكون غفلت عن ذكرها، لا تجعله غبيّا، ولا تجعل المقولة خاطئة .

– ” هيّ حلمي والخلاص* “، لأيّ كائن حي أن يتخيّل ما الذي يقصده أحمد قعبور في أغنيته الجديدة هذه، ومَن ” هي ” وكيف تكون الخلاص، لكن ليس لأيّ كائن حي أن يؤمن تامّا بأن قعبور قد غنّى أغنيته الجديدة تلك له تحديدًا، ولها ” هي ” التي باتت تشكّل القسم الأكبر منه، ليس لأيّ كائن حي أن يؤمن بذلك على الإطلاق، إلا أنا طبعًا .

:

أحمد قعبور – النور 2010

عندي ثقة فيك!

سبتمبر 21, 2009

coffee

..

في ذهني تدور أشياء كثيرة، وأسماء كثيرة، مدنٌ تشيّد، وأخرى يأكلها النسيان، عشرات اللحظات التافهة، وبضع خلواتٍ مع الفرح الطريد. أصدقاء ما عادوا يشكلوا ذاك الفارق، ونومٌ يشكل مهربًا خسيسًا إلى العدم. لكنني أستيقظ دائمًا، أستيقظ على فلسطين، على شهداء أوّل أيام العيد، على صوت الرصاص، على هواءٍ جلُّه كبرياء، المستشفى، الدوّار، شريط الأخبار، وائل الدحدوح، وأشياء أخرى كثيرة، تنطوي تحت مظلّة هذا الكيان، هذا الذي لا يعترف بالعالم، يقف مخاطبًا المنطق في قعر داره، ويصرخ أمام الدنيا .. ” Talk to the hand “، ويمدُّني، ولا يزال، بإبر الغد، يغريني بفتح روما، وشرب زمزم، وقراءة الكتب في كامبريدج، وإنجاب أول طفل لا سلكيّا .

النهايات السعيدة لا توجد إلا في الأفلام، أمّا النهايات التي لا تنتهي، فهي هنا، في عيون ” فاطمة ” الصغيرة التي ارتدت فستانًا أتحدى مصمي باريس به، وفي وقع خطى جدتي ” فاطمة ” الكبيرة بثوبها المطرز ورائحتها المعتقة، في التفكير بفلسطين، هذا التفكير الذي يسقف مخدعي، ويقدّس محرابي، ويعطيني قبسًا من عنفوان، لأطلق العنان في داخلي، وأبحث عن الجميل في كل شيء، بلا آلة حاسبة ولا جغرافيا، بتبريرٍ يبدو لي مثاليا، بأني إني لم أصبح ما أريد، إن فاز العالم عليّ، إن فشلت وسقطت وتكسّرت كل أضلاعي، فلقد كنت ما أرادني الله وقلبي، فلسطينيًا وكفى .

لا، ليس ذنبك يا وطني أن العالم بات يؤمن بالنفط والكهرباء، ليس ذنبك أنهم كفروا بي وبك، لم تعطني كالنوم أحلامًا هلاميّة، لم تجاملني، جبلتني على الأحلام الحمراء، أقنعتني أن حلمي الفردي، هو حجر الزاوية في فسيفساء الشهداء، شرحت لي كيف لأكتافي العارية أن تحمل الصخرة، جعلتني سيزيف العصر يا وطنًا بلا أجنحة، يا أعلى القمم. لن أكون تقليديًا وأطلب منك جواز سفر، لن أحبك لشيءٍ تعفن في جوفك قبل آلاف السنين فصار نفطًا، لن أسبّك لمعبر يغلق في وجهي، كيف أفعل وأنت منحتي حق التصريح بأني عاريًا أهدد أمن إسرائيل وفرعون وجنودهما! ، سأحلم كما علمتني ورفضوا، حلمًا أحمرًا لا أمل في تحقيقه إلا لأنّي أحلمه، كي يصبح الحلم ثورةً، وبعدًا رابعا، يشاركني ظلي على الرصيف، وحجر قلبي الأربعة .

سأحبُّ فتاةً تختصر النساء، سأحضن ضريح جدّي، سأقبل يد أمّي، سأجوب الكون، سأصبح طبيبًا، وأهدم الوطن العربي وأبنيه، وأؤلف ديوان شعرٍ يعلق على ستار الخلود، وأكتشف عيون التي أحبُّها في نواة الذرة، وسأفرح لأنهم أرادونا قاتمين، وأشعل سيجارةً كل صباح، وأطير مع فيروز، وأشعر بمساحات شاسعة حولي في أكثر بقع الأرض اكتظاظا، ولن أعير اهتمامًا لهم، لا لذاك الذي وعدني بالقبول، ولا لنفسي التي تهاب الرتابة، وتخشى طريقًا قد حفظته بصمًا، قبل حتّى أن تسير فيه . لن أذوب عندهم، سأذوبُّهم فيّ وفيك يا وطن.

|

أوت 9, 2009

D

* الأرقام الظاهرة في الصورة هنديّة، تكتب من اليمين إلى اليسار، وتقرأ من اليمين إلى اليسار، والخطأ في تلك الأرقام مقصود ومُستحق، فقط للذين يسبقون رزنامة الموت .. بخطوة .

طائرات ورقيَّة .

جويلية 30, 2009

Gaza


غزة تدخل غينس بإطلاق أطفالها 6000 طائرة ورقية في سماء المدينة


هي نفس السماء لم تتغيّر، تفرد أجنحتها اليوم بكامل زينتها، زرقاء يطرزها غيم يستعير بياض قلوبنا، هي نفسها، كانت تعجُّ قبل ستة أشهر بالطائرات، وها هي اليوم، تردُّ على الطائرات .. بالطائرات . عدوُّنا الغبي، كان يقصفنا على الأرض، بشرًا وشجرًا وحجرًا، يمعن في تغيير معالم كلّ حارة وشارع، ولكن لم يستطع أن يغيّر معالم سمائنا، تلك السماء التي إن ضاقت بنا الأرض، لا ندعو إلا ربّها، ولا نستعين إلا به، في زمن سدّت فيه أمام أحلامنا كل المعابر، و ظلّ الدرب إلى السماء مفتوحًا، لا يحتاج جواز سفر ولا حتى هُويّة، ويسلّحنا بالحب في وجه الكراهية .

غزّة تدخل اليوم موسوعة غينيس، بأطفال يدمنون الحياة رغم مولدهم في فم الموت، أولئك العباقرة، أبايعهم ما حييت، على الولاء لبسمتهم، وضحكتهم، وطائراتهم الورقيّة المدججة بالفرح والأمل، وأنتخبهم ملوكًا للحب في زمن الضباب، يحملون الشعلة التي تحرق المنبطحين، وتكون بردا وسلامًا على كل عاشق للأرض والقضية؛ ليؤكدوا للعالم مجددًا، أنّ الحياة كما نعيشها نحن، يعجز الآخرون حتّى عن فهمها .

قبل أن تدخل غزة غينيس، دخلت التاريخ، وهي الحاضر، والمستقبل كما أشتهيه، لن يكون إلا بها، هذه البقعة الصغيرة التي تحمي خاصرة الوطن، وخاصرة عقلي .. وقلبي .

مذكرات حربيَّة.

مارس 31, 2009

مذكرات حربيّة
– قد تحتوي النصوص الآتية رصاصات طائشة، أو ألغام بعد لم تنفجر، يرجى اتخاذ أقصى درجات التهور .
(1)
كان اليوم مليئاً بالموت، مزدحماً بصوت القنابل والصواريخ التي اخترقت حاجز الصمت والروتين الذي نعيشه ويعيشنا في سجننا الحر الكبير هذا، حيث أن شقلبة الأمور لم تستغرق الا بضع دقائق، حتى توشحت غزّة بالأسود، وتكدست جثثٌ مجهولة الهويّة على بلاط المستشفيات الذي لم تعرف المنظفات له يوماً سبيلا، وها هو دمٌ يدير محرّك العزة في سيارة الامة المهترئة، يصبح نبيذاً أحمراً ينافس نبيذ فرنسا في كؤوس أصحاب الكروش .
بعد إنقضاءِ جلُّ الغارات الافتتاحية لهذه الحرب، أصبحت رنّة أي هاتفٍ تحملُ طابعاً مختلفاً، وكأنما سكن الموتُ كلّ المكالمات، وبات يسير منتقياً بين البيوت، ولايخفى إلا على من يخفى عليه، أنّ بيتنا الصغير لم ينل نصيباً ” جامدًا” من الألم فيما سبق من الحروب والاجتياحات، إلّا أنه فعلها اليوم.
كان صوت عمّي عبد الحميد متقطعاً، وكأنما ضرب حباله الصوتيّة سكين جزّار، حين طلب منّي أن أنادي والدي على وجه السرعة، لم أجد نفسي إلّا وأنا أرتجف من لاشيء، حين أمسك والدي السمّاعة، بتُّ كالطفل الصغير أتأمل تقاسيمه محاولاً أن استقي عنواناً للسواد في هذه المكالمة، ولكنّ الحزن الذي أجبر والدي على ذرف دمعةٍ ملؤها كبرياء، هو نفسه أجبرني على رفض كلّ التخمينات، كان الخبر حول عمّي الأكبر، الذي كانت علاقتنا الأسريّة معها على الدوام تشبه علاقة اللاعلاقة، مجاملاتٌ في الأعياد، وزيارات لردّ زياراتٍ سابقة، لا أكثر ولا أقل، ولكنُّه الموت الذي يخلط كلّ الأوراق، هو الموت الذي ألبس بيتنا لبوس الصمت، وجعلنا نجلس جميعاً مجتهدين في ابتلاع هذه اللقمة المرّة من المصاب الجلل .
عندما وصلت قدماي المتعثران إلى بيت جدّي، وجدته مكتظّاً بالرجال والنساء، لم يكن هذا الاكتظاظ دالاً على مناسبة قوميّة للعائلة، أو عيدٌ في رزنامة أحدهم، كان التجمُّع يبكي بصمت، كان بيت جدّي يندب ركنه الأهم، ركنه الذي غاب غياباً رمادياً حارقاً، غيابٌ أشدُّ ألماً من اليقين، أمّا أنا، فما لبثتُ حتى جلست على كرسي محاولاً سرقة بعض الوقت مع نفسي في ظلّ هذا الزحام الملبّد بالكآبة، ورحتُ أقلب الفصل الخاص بعمّي في ذكرياتي، كان رجلاً عصامياً، فلسطينياً بامتياز، كان زعتراً، لم أجد فيه عيباً واحداً، وكأن الموت المفاجئ يدخل الواحد منّا أساطير الرومان، كرهتُ نفسي لادراكي حجم روعة عمي الشهيد بعد فوات الاوان، كرهت نفسي لامتلاكي أشياءً كثيرة كنت أودُّ أن أبوح لها بها، فغدرني وغدره الوقت.
 جلس الجميع على بوابة الدار، ينهشون لحم الأمل، بسبب عدم عثورنا على جثته، بأن يكون ربما قد نجا بأعجوبة، هذا الأمل الذي لن يستطيع الصمود أمام سيّارة اسعاف بضوءٍ أحمر تأتي مسدلةً ستار الشك، أو مسعفٍ ينقل الخبر المفرح المحزن .
لفرط ألم الانتظار، والاحتمالات، ولفرط حزني، عدتُّ إلى غرفتي وإلى القلم الذي لا يقبل القسمة على شكِّ ويقين، عدتُّ متمنياً رحمةً لعمي ولكل الشهداء، وميتةً لي جازمةً لا ضباب فيها .
27/12/2008
(2)
أن تجلسَ وأنتَ تعلم أنّ أي قذيفةٍ بالقرب قد تفتتك، أن تأكل مع احتمال أن يكون رغيف الخبز هذا آخر ما تتناول، ذلك ليسَ شيئاً بسيطاً، هو مؤلمٌ جدّاً، قد تنجو، قد تفقد طرفاً، قد تموت، لكن الشيء الأكيد، أنّك أبداً لن تبقى كما كنت .
أما تغيُّر الواقع بكلّ تفاصيله، وانحدار الحياة إلى خانة الاهتمامات الثانويّة، وتحوّل جميع الناس إلى أهلك وأقربائك، فذاك هو وقع الاحتلال، يجمعنا بنفس القدر الذي تفتت به الصواريخ أجسادنا المهترئة .
28/12/2008
(3)
في كلّ أنواع العلوم، لكلّ شيء حدُّ واضحٌ وصريح، الماء مثلاً يغلي عند درجة غليانه، ويتجمّد عند الصفر حسب الأخ سيليزيوس، ولكن السؤال الذي يحيرني، أيُّ علمٍ خرافيِّ هذا الذي رغم موتنا المنسكب كالمطر، لم يعلن بعدُ وصول أمتنا إلى درجة الغليان، أو حتّى تزحزحها عن درجة التجمّد .!
29/12/2008
(4)
ثمّ ماذا يعني أن أموت
وماذا يعني أن تموت
ذاكَ لا يعني شيئًا سوى
جسداً إضافياً يملأ التابوت
وشقائقُ النعمان تنمو
فوقَ رابيةٍ جديدة
وتذكرةً صوب الفرح
ومساحةً بيضاء للركض
على مسافةٍ فردوسٍ إلى الأعلى
من قوس قزح .
1/1/2009