بعد عامين، وجيل .

جانفي 23, 2009

لكلّ مرحلةٍ عُنوان، والروتين الرماديُّ القاتم، هو عنوان هذه المرحلة، طوابيرٌ من الأوراق تسترخي على طاولةٍ خشبيّة، تناديني، وعشرات الأغبياء الذين يحجزون أماكنهم بإمتيازٍ في طريق المدرسة، وفي داخلها أيضاً، عليّ مجدداً أن أنافقهم، وأدّعي الاهتمام بما يقولون.

عليّ فعلا ًأن أكون كلاسيكيّاً في الأشهر القادمة، على عكس ما أحب نفسي، عليّ أن أنظم وقتي الذي أحبه مبعثراً، وعليّ أن أسهر لا لأعدّ النجوم، إنما لأعدّ قوانين الرياضيّات التي يتوجّب علي حفظها، عليّ مناصفة الاهتمام أثناء جلوسي في الفصل، بين وجهها الذي أرسمه في السماء من الشبّاك الواسع بجواري، وبين شرح الأستاذ في مواجهتي .. عموماً لا أتخوّف من القادم، إنما أستعدُّ له إستعدادا ً يكفي لدرء النصائح المقنّعة .

Piano

جانفي 21, 2009

رواية : بيانو .
المؤلّف : جيت كامبيون، كيت بولينغر .

دار النشر : الانتشار العربي ّ .


من غلاف الكتاب : حاز فيلم ( بيانو ) للمخرجة جاين كامبيون على جائزة مهرجان كان عام 1993، ويروي الفيلم قصّة حبٍّ لافتة، استطاعت أن تجذب الملايين إلى صالات السينما في العالم بأسره، وهذه القصّة التي تناقلها أولئك المقيمون في مستوطنةٍ صغيرةٍ في نيوزيلندا، وأولئك الذين عرفوا الأمّ ” آدا ” وابنتها وحفيداتها، تدور وقائعها في القرن التاسع عشر، حين غادرت ” آدا ” اسكتلندا، برفقة ابنتها والبيانو الذي تملكه إلى الأدغال؛ حسب رغبة والدها .
كان البيانو الذي حملته آدا معها إلى نهاية العالم كما تقول وسيلتها الوحيدة للتعبير عن نفسها وعن صلتها بالعالم، ولذلك فإنّ محاولتها للاحتفاظ به ستتحوّل إلى مغامرةٍ للدفاع عن كيانها .
إنّها قصة حبٍّ غريبة تتداخل فيها نوازع الخوف والرغبة .

لا أخفي على نفسي، ولا على أيّ أحد، أن السبب الرئيسيّ في عزمي على قراءة هذه الرواية، لم يكن الوصف الباذخ لها على لسان من قرأها، إنما كان انقطاع اتصال “الانترنت” ليلةً كاملة، فوجدتها في وجهي تغريني باسمها ” بيانو “، وبعد أن قرأتها، بتُّ أتمنى أن ينقطع الانترنت يوميّاً، وأن أمتلك روايةً تشاكلها من الجمال والترف اللغوي لتشغل وقت الانقطاع .
لم تكن الأحداث متسلسلةً تماماً بنظري، كانت هناك لمسة من الفوضى المرتبة، التي تتيح مساحة بيضاء للقارئ كي ينسج خيوط القصّة في ذهنه، وهذا ما حدث معي، وما أن تتوغّل في صفحات الرواية، حتّى تبدأ في التعرف على الشخصيّات، ورسم اللوحات المحاكة بالحروف رسماً تصويرا ً في خيالك .
كنت أغرق في المشاهد الموسيقيّة، ووصف محيطها، وأعجبتني الرمزيّة في تصوير بعض المشاهد الحميمة على خلاف بعض المشاهد الأخرى .
النهاية كانت رائعة جداً، بعيدة كل البعد عن إي ابتذال، ربما كان ذلك لكون الرواية في أغلبها مستندة على قصّة حقيقة، وهذا ما يزيد الأمر سحراً .

إسدالُ ستار .

جانفي 18, 2009

أن تدقّ الباب ممعنا ً في غباءٍ رجولي فطري، تتلهف لرؤيةِ ما عجز خيالك الشّاسع عن تخيله، لتكوّن ردةَ فعلٍ قد كوّنتها مسبقاً منذ اللحظةِ التي صار فيها الوقتِ بحضورها عدّاءً يكسرُ كلّ الأرقام القياسيّة، هذا يشبهُ تماماً بابا ً نصفُ مغلقٍ على عورةِ الرغبة، ونصفُ مفتوح على كلّ الإحتمالات، بهذه الخرافات يمكن ُ لك أن تصدق أنّك قد ترجمت ترجمةً صحيحة حروبَ الأفكار في داخلكْ، فتكتبُ لها وعنها ومنها، وأنت رغم كونك الكاتب المتحكمَ في كلّ علامات الاستفهام والتعجب، إلّا أنها وحدها تملك المفاتيح لأقفال الأجوبة، وشهقات الإستغراب، كملكها التّام لثلاثة أرباع ما هو لك وحدك .

طويلةٌ هي الفترة التي إنتظرت فيها إسدال الستار، لكن الختام الفيروزي كان جديراً بالانتظار، لا عيبَ في أن تجعل أذنك وعينك تُغيبان تماماً، لتوقظهما في جنّةٍ تصدح فيها البلابلُ بكل كبرياء، فترى للمرّة الأولى، وتسمع للمرّة الأولى، تسير في الدروبِ التي كنت دوما ً على بعد ” فترةٍ ” منها، تراقب وقوفها المتغطرس قُبالة أنفك، ها أنت الآن فيها، ذاك الصدى هو صوت أقدامِك، فتمتّع بما ليس لكَ من الغرور، وحاول أن تسير بكل ما أوتيت من بطءٍ وجمود .

هل تعلمين يا سيدتي الفاضلة، أن بياض الورق قد أشبع كل فضولٍ إجتاحني يوماً، إلّا في الفضول الذي يغلّفكِ، هكذا أنتِ .. كائنٌ مستقل لدرجة أن خيالنا وبياض الورق بين أيدينا يعجزُ حتّى عن ملامسته، وهذا من أكثر الاشياء التي تعجبني بكِ، تفتن كلّ كراتِ الدم المثقوبةَ في شراييني، تحاصرني حصارا ً لست أتمنى زواله .

بعدَ أن قفزنا معاً، وبإذنٍ منك أنتِ، من على سفحِ جبل الخيالات، إلى واقعٍ لم يبتعد كثيرا ً عن المطلوب، ها أنا لا زلتُ أحاول إستيعابكِ بالوضوح الذي رأيتكِ فيه، أحاول ترجمةَ الخطوطِ تحت عينيكِ، أحاول شراء مساحةً من ذاكرتي أخزّن فيها إبتسامكِ إلى الأبد، أنقش إسمي على جدار كلّ ثانيةٍ تمر، بأني اليومَ قد حققت نصرا ً بطعم الهزيمة المغرية، بلونِ شالكِ الزهري، بأناقةِ النجمة التي تزينين بها ثيابك.

وأنتِ، معي وبعيدة عني، تراقبينني بصمتٍ هو الأجمل، تداعبين فرحي بأصابعكِ الجميلة، تُمسكين بي حين أحتاج أن أستلقي على رصيف الهدوء من عواصفكِ، لتلقيني مجدداً في معضلة ٍ أنتِ عنوانها وأنا أحبُّ نفسي لعجزي عن حلّها، هكذا هو المنتصف، لا أنت هناك ولا هنا، كلُّ ما يحدث بيننا يحدثُ في بقعةٍ رمادية تتوسطها طاولةُ الأحاديث، وكوب القهوةِ السمراء، ونصفُ الكون .

اليوم قد نلت راحةً مُتعبة، سَحبتني من قميصي وقالت لي تعال هنا فأكتب، لأنّ الأمر أغلى من أنه توكله لذاكرةٍ أعيتها طلبات إستئجار المساحات، وأطنان الأغبياء من حولي .


يا صاحبة الوشاح الزهري،

يا أنيقةَ الفوضى، ويا فوضى الأناقة،

لا شفاني الله منكِ، ولا شُفيتي منّي .

النّار .. بين الوقفِ واللاوقف .

جانفي 17, 2009

وقفُ إطلاقِ نارٍ .. من جانبٍ واحِد ..





جثّةٌ مصابةٌ بغيبوبةٍ من العيار الثقيل، تشغّل الأجهزة الكهربائيّة معظم أعضائها، إلا أنها لا زالت تملك بقايا روح، هكذا أرى الوضع الآن عندنا في غزّة، هكذا أرى وقع خبر وقف إطلاق النار من جانب واحد الذي أعلنت عنه إسرائيل، ويا ليتها لم تعلن، يا ليتها لم تثبِّت بالدقيقة والسّاعة خيبتنا، وتغرس علمها بثقةٍ وكبرياء؛ ليدلل على قبر ” العمل العربيّ المشترك ” .. لكنّها فعلت، في تمام الحادية عشر والنصف، بعد أن فرغ ” أولمرت ” من متابعة شغفٍ ينافس شغفه في قتلنا، شغفُ الدوري الإنجليزي الممتاز .

أطنانٌ من الأسئلة تدور في ذهني، وعلى الأغلب لن أجد لها إجاباتٍ في نشرات الأخبار الملفقة، هل وقف إطلاق النار يعني أنني لن أذرف مزيدا ً من الدموع على رحيل من أحب ؟ .. أم أنّه مجرد تأخيرٍ ” تكتيكي ” لحزني البائس .. في كلّ الأحوال قناعاتي لن تتغيّر، وقبولي لواقعي ووطني المُقعد قبولٌ لا تستطيع كلّ القرارات والإعلانات تحريكه مقدار مترٍ واحد، عجزٌ يذكرني بعجز مليار عربيٍّ في جعل دبّابةٍ يقودها جنديُّ مدرّب على الحرب والخوف، في جعلها ترجع مقدار أمنٍ عن بيوتنا المُسقفة بحبنا العفوي وكلامنا اليومي .. وبضعة سنتيمتراتٍ من الباطون المسلّح .

الأيّام القادمةُ وحدها، ستتكفلُ بنفض بعضِ الغبار عن جرحنا الغائر، بتنظيم طابورٍ على باب ما لم يقصف من مؤسسات الـ ” UNRWA ” ، بإلغاء حالة الشفافيّة اللئيمة التي أعيشها منذ بدء العدوان، لعلّ المستقبل القريب يجدد الإيمان المصطنع بأشياءَ أصنفها في خانة الأحلام والطموحات، بأن قدرة الإنجاز من وسط العدم، لم تنتهي من جموعنا بعد رحيل من رحلوا .

أوقفوه، أو لم يفعلوا، الجنة فيها متَّسع .

عمليّا ً .

جانفي 3, 2009

عمليّاً، لاشيء في هذه الدنيا يستحقُّ الكتابة عنه أو إليه، لكنّ الإغراء يتمثّل في عدة صور، إمرأة حسناء بوشاحٍ أحمر، أو صفحة تتراءى لك وقد أثقلت كاهلها الحروف، وما هذا المكانُ إلا ركناً فسيحاً خلف ستار الواقع، لأكتب فيه أشياءً حين أكتبها يبدو وقعها حَسناً، وإحتمال أن أحذفها بعد ذلك إحتمالٌ يفرض نفسه .

في غزّة القطاع، تحتاج أن تبذل جهداً إضافيّاً، كي تكتب عن غير الدم والشهداء، كي تتصنّع بسمةً زرقاء تلقصها بثغركَ مُتحديّا ً كل الظروف، لكن هذا لن يثنيني عن الكتابة لصوت المطرِ وللجمال أينما حل .