الضّحك باعتباره حالة مقاومة: المصريّون نموذجًا.

جوان 6, 2012

|محمود عمر|

«واجب من يريد الخير للبشريّة أن يجعلها تضحك من الحقيقة، وأن يجعل الحقيقة تضحك فيتحرّر الانسان»

(أمبرتو إيكو، “اسم الوردة”)

أنتِ جادة جدًا، لا يمكنني تخيّل شخص يتبنّى قضيّة يؤمن بعدالتها، ويمشي بين الناس بوجه تحتلُّ الكآبة قسماته؛ ليس هذا الانطباع الذي يجدر بك إعطاؤه للآخرين. لقد كنتُ هكذا، مثلكِ، أصرخ كثيرًا وأقضي وقتي إما في التعبير عن الغضب والجديّة، أو في تهيئة نفسي للقيام بذلك. أنظري إلى مصر، ما الذي حصل هنا؟ كان المصريّون يعيشون في عالمهم المغلق والمحكوم بالزحمة ورداءة الوقت، في الحافلات الضيّقة، في العمارات التي تمتاز بفارق شاسع بين خارجها وداخلها، في العشوائيّات وفي الريف.. وفجأةً خلعوا مبارك بطريقة مذهلة. طرأ شيء ما، في الهواء أو في الماء أو في تركيبة الفرد الذهنيّة فأدّى لهذا الفيضان البشريّ الهادف. يمكنني أن ألخّص ما حدث بكلمات قليلة: لقد ابتسم المصريّون بعد أن كانوا يضحكون في جلسات خاصّة وبصوت منخفض، ضحكوا معًا، علنًا، وبصوت عالٍ!

خوذة ضاحكة

لم أكن أعتقد أنّ الكلام الذي كنت أقوله لتلك الصديقة الأميركيّة-الفلسطينيّة في قهوة البورصة -أحد مقاهي وسط البلد بالقاهرة- هامّ إلى درجة أنني سأعيد تذكره لأبدأ به هذا المقال عن الضّحك. كنت، في الحقيقة، أحاول أن أهدّئ من روعها أو أن أمتصّ غضبها (من الرّاهن الفلسطيني) لأستطيع الاستمتاع بهدوء بفنجان الشاي الذي ينتصب أمامي على الطاولة. تبيّن بعد تسلسل أحداث وقراءات تلت حديثي ذاك أنني كنت، فعلاً، أقول شيئًا هامًا له منابعه في الفلسفة والسّياسة والتاريخ. أفكار قيّمة قد تخرج من رأسك وأنت تحاول تهدئة صديقة لك من أجل أن تستمع بفنجان شاي؛ أليس ذلك، في حدّ ذاته، مضحكًا؟

يعرَّف الضحك في المعاجم الانجليزيّة على أنه “إحداث ضجّة باستخدام الصّوت للدّلالة على الاعتقاد بأنّ حدثًا ما مَدعاة للفرح”، أو أنّه “التعبير عن مشاعر معيّنة، غالبًا ما تكون متعلّقة بالرّضا والسّرور، على شكل سلسلة من الأصوات العفويّة المرتبطة غالبًا بحركة في الأطراف والوجه”، بينما يُعرّفه “لسان العرب” بأنّه “ظهور الثنايا من الفرح”. والضّحك عند العرب على مراتب: التبسّم ثمّ الافترار والانكلال ثمّ الكتكتة ثمّ القهقهة والقرقرة والكركرة، ثمّ الاستغراب ثم الطخطخة ثم الإهزاق، وهي أن يذهب الضحك بصاحبه كلّ مذهب.

في مجال البحث عن علّة الضحك تبرز مدارس عدّة؛ في القديم منها جنح الفلاسفة لتفسير الضّحك على أنّه سخرية من الطبقات الدنيا، أو كحالة حوار مستتر مع الذات. أمّا في المتقدم فتعدّدت الآراء؛ هيغل يرى أنّ الضحك “ينشأ نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدّمه هذا المفهوم”، ويؤكّد كيركجارد، بطريقة أو بأخرى، على ذلك فيقول: “حيث توجد حياة يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودًا”، بينما يعبّر شوبنهاور عن ذلك “التناقض” بمفردات أخرى على شاكلة “العبور/ الوصول” فيقول: “الضّحك شبيه بقياس منطقيّ تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى فيه، إلى حدّ ما، من خلال الحيلة أو المغالطة، وتكون نتيجة هذا التركيب بين القضيتين هي الضحك”، وهو الأمر الذي نجده مطبقًا في تصرّفات سقراط الذي كان يتجوّل في الأسواق ويطرح أسئلةً تبدو تافهة، كي يصل من خلال ما يتلوها إلى “اليقين السّرمديّ”.

فرويد فسّر الضحك، كما فعل مع الأحلام، ضمن تأثير القوى الليبيديّة. يقول عن الضحك بمنطق يقترب من الأبيقوريّة بأنّ الضّحك “ينشأ من رغبة مكبوتة في اللاوعي يتحوّل بموجبها آلية دفاعيّة لمواجهة العالم الخارجي المهدّد للذات ويجعل من طاقة الضيق شعورًا بالمتعة التي هي ذات طبيعيّة”. الناس تضحك لتدافع، لتسخر، لتتحمّل، لتستطيع المواصلة. بكلمة أخرى: لتقاوم. هذا هو ما لم يفهمه مالدورور -الشخصيّة التي خلقها لوتريامون في أناشيده- عندما وجد أنّ الناس يضحكون، فأمسك سكينًا وقطع زاويتي شفتيه.

ولأنّ الضحك حالة مقاومة إبداعيّة تسعى بالضرورة للاشتباك مع السلطة فلقد حورب قديمًا وحديثًا. أفلاطون في معرض حديثه عن جمهوريّته الفاضلة كان يحذّر من الضّحك وينفّر منه لما له من “قوّة هائلة على تحويل خطوط الدفاع القويّة للسلطة إلى مجرد أبنية هشّة”. جاء الغزالي بعد قرون عديدة ليسهم في بناء السدود أمام الضحك بقوّة فاقت أفلاطون فحرّم، من دون أيّ سند دينيّ حقيقيّ، الضحك يوم العيد و”جعل عقابه هولاً من أهوال يوم القيامة”، ولم يكتفِ بالمضمار اللاهوتي بل تعدّاه إلى اللغوي فشرح أنّ المزاح سمّي كذلك لأنه “أزاح صاحبه عن الحق”.

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

في مصر، البلد الذي ما أن يذكر “البحر” فيها حتى يبرز سؤال: “بيضحك ليه؟”، كان المزاح (الألش باللهجة المصريّة) سلاح الشعب السرّي. على مدار عقود من الفساد والإهانة والعيش في اغتراب داخل الوطن صبّ المصريون جام غضبهم على الواقع، والسّلطة، نكاتًا و”إفّيهات” تبادلوها في المواصلات وجلسات السّهر وقاعات المحاضرات. لم تختلف نزعة المصريين “الضاحكة” عمّا لجأ إليه المضطهدون على مدار التاريخ؛ اليهود –كنموذج تاريخي لذلك- عرف عنهم الاستعانة بالنكات لتخفيف ثقل الواقع الأوروبي عليهم حتّى شاع عن اليهودي بأنه “يضحك كي لا يبكي”.

خرج ذلك السّلاح، سلاح الضحك، إلى العلن في ثورة الخامس والعشرين من يناير. لقد كان ميدان التحرير، وميادين السويس والإسكندريّة وباقي المدن المصريّة، مساحات لعرض مسلّح بالضحك. تجلّى ذلك في الشعارات “يا سوزان صحّي البيه، كيلو العدس بعشرة جنيه”، وفي اللافتات التي رفعت في الميدان: هتمشي هتمشي؛ بس انجز عاوز أروح أحلق؛ إرحل؛ الوليّة عاوزة تولد والولد مش عاوز يشوفك، إرحل؛ مراتي وحشتني- ده لو كان عفريت كان طلع!- إرحل يا تِنح، والعشرات من الشعارات والتعبيرات والفعاليات (“الراجل الي واقف ورا عمر سليمان” مثالاً) والرّسومات الأخرى التي دارت الغالبيّة العظمى منها في فلك السخرية من السلطة بشخوصها وفكرتها واستدعاء الضحك كثابت في المشهد الثوري لبلد بأسره.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على هبّة المصريين، لا يزال الضّحك سلاحًا مُشهَرًا في وجه أعداء الثورة؛ الفلول والمجلس العسكري ومن لفّ لفهم من قوى “الثورة المُضادّة”. بلوفر شفيق (السّخرية من ملابس أحمد شفيق آخر رؤساء وزراء مبارك)، الفيديوهات المركبة لجلسات مجلس الشعب المصري، النكات السّاخرة التي تتلو أيّ تصريح مُسيء للثورة من شخصيّة سياسيّة مهما علا شأنها؛ كل تلك أمثلة واضحة على ذلك.

في أحد المرّات التي تواجدتُ فيها في ميدان التحرير العامر بأهله، أتأمّل، بكل معنى الكلمة، وجوه النّاس وابتساماتهم، لم أستطع إلا أن أفكر بأن المصريين لم يقوموا بواحدة من أكثر الانتفاضات سحرًا وعبقريّة فحسب، بل وفعلوا ذلك، في تجربة فريدة من نوعها عبر التاريخ، فعلوا ذلك.. ضاحكين.

إحتفاليّة فلسطين للأدب: غزّة تكسر حصارنا.

ماي 4, 2012

المدن ليست فقط الأشياء المكشوفة المتاحة، وإنّما ما وراءها أيضًا. ع.ر.منيف.

عندما زرت مدينة الاسكندريّة للمرة الأولى أواخر 2010، ودخلت مكتبتها الشّهيرة، كتبت في دفتر الزوّار الضخم المليء بالتواقيع والجمل القصيرة: غزّة -أيضًا- تجيد القراءة وتحبُّ المكتبات. لم أفعل ذلك لدواع سياسيّة أو وطنيّة، فعلت ذلك لأنّ المدن (وغزّة احداها) هي أيضًا .. «ما وراءها». الظّاهر-المكشوف من غزّة إن لم تره عيناك في شوارعها فستراه في نشرة الأخبار، ستستمع إليه في الإذاعة، ستقرأه في بيان صحافي أو في الإعلان عن «مصالحة جديدة», ذلك الظاهر لا يوحي بأنّ غزّة تهتم بالثقافة أو بالقراءة، غزّة نشرة أخبار .. لا أكثر. لكنّ الماوراء هو الذي قد يكون عصيًّا على الرؤية/اللمس, هو الذي أردت بكتابتي تلك الجملة في دفتر الزوار، وهذه الكلمات، أن أوضّحه .. وأسقف به الكون إن أمكن.

صدّق أو لا تصدق، لكن غزّة ليست نشرة أخبار و «جبهة مقاومة» فحسب، ليست نفقًا وشاحنة مساعدات والسّلام. غزّة ليست انقطاعًا للتيّار الكهربي وغلاءً في الأسعار ومكانًا بعيدًا موغلاً في المجهول يتكدّس فيه أشخاص «ما قبل مدنيون» يعيشون ويموتون حيث يولدون، غزّة قبل كل شيء، وبالرغم من كل شيء .. مدينة. قد يكون ذلك نسبيًا (لعوامل اجتماعية بحتة)، لكنه واقعي وضروري؛ لعدّة أسباب, أهمُّها ربما هو كسر الحصار. لا أقصد بذلك كسر الحصار السياسي ولا التجاري المفروض منذ فوز حركة حماس في انتخابات سلطة أوسلو، لكن أقصد حصارنا نحن، حصار من فتحوا أعينهم على غزّة وكانت هي، لا غيرها، مدينتهم الأولى. 

ضمير الجماعية في “حصارنا” ليس محصورًا بالمطلق في أهل غزّة فحسب، بل في كل الفلسطينيين. الكل يشعر بأن «مدينته» قد سرقت منه وأنّه قد حرم من التباهي بها وتقبيلها خلسةً والهرب من الفصل الدراسيِّ إلى حضنها الواسع. لكنّ غزّة، وأهلها، حصلوا على حصة الأسد من ذلك الحصار المقنّع. لهذا غالبًا ما تأتيك الإجابة حين تسأل صديقًا عربيًا قبيل عودتك إلى غزّة: «أجيبلك إشي معي؟», على شاكلة: «هيّ غزّة فيها حاجة؟». ليس ذلك تحقيرًا منه لها، إنّه مخرج طبيعي لهذا التشويه المتعمّد والمتراكم للمدينة، في ذهن أصحابها، وفي ذهن زائرها المفترض.

إحتفالية فلسطين للأدب 2012 تأتي لتساهم في كسر ذلك الحصار، ولتساعدنا على تطبيب جرحنا النرجسي. نعم، غزّة “فيها حاجات”, مش بس حاجة، تقول هذه الفعالية الأدبيّة. غزّة ليست عبيطة، بامكانها أن تحتضن الشّاعر والمثقف والرسّام (وإن كان الحضن سريًا حتى لا نزعج الأمن الداخلي)، وبإمكانها رغم حصارها السياسي والجغرافي أن تكون “مسرحًا”، وأن تغنّي كما تفعل القاهرة والاسكندرية وبيروت وعمان. تلك الاحتفالية، التي لن أتمكن من حضور فعاليتها داخل غزّة لوجودي في القاهرة، لا تشعرني بشيء قدر ما تشعرني بالفخر.

أقرأ باقي الموضوع »

معذّبو الأرض: أنا وأنت.

أفريل 29, 2012

دعك من حقيقة أنّي طبعت هذا الكتاب الصّادر عام 1961م مرّتين على حساب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (كل لاجئي العالم يتبعون لوكالة اللاجئين إلا الفلسطينيين لهم وكالة مخصوص – ابسط يا عم)، ودعك من المعاتيه ذوي الملابس الأنيقة الذين يقولون بأن هذا العالم لا شرق ولا غرب فيه، وأنّ مفردة كـ”الاستعمار” ماتت وتعفّنت، دعك من كل شيء إلا الصوت داخل رأسك. لن أحاول أن أقدّم لك قراءة للكتاب، ولن أحاول إقناعك بما اقتنع به فرانز فانون، سأقتبس لك مقاطع من الكتاب وأقول لك ماذا شعرت أثناء قراءتي إيّاها؛ لتكتشف أنّك أنت وأنا لا زلنا، رغم الضحكات والرايات والأناشيد الوطنيّة والجيوش والمطارات والميادين والشركات العالميّة وكأس العالم وبرامج المسابقات، من معذّبي هذه الأرض. اكتشاف لا يراد منه أن “نصرخ” ولا أن نندب حظّنا العاثر, ولكن أن نتسلّح بالوعي الذي هو خطوة أولى على طريق فشخ هذا “العالم المضيّق، المزروع بكلّ أنواع المنع”.

يقول فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض»:

F.F

F.F

«إنّ أول شيء يتعلمه السكان الأصليون (أنا وأنت) هو أن يلزموا أماكنهم، ألا يتجاوزوا الحدود. لذلك كانت الأحلام التي يحلمها السكّان الأصليون أحلامًا عضليّة, أحلامَ فعل، أحلام هجوم وعدوان.» في الحقيقة, هذه الجملة استدعت دفقة ذكريات إلى رأسي, بعض تلك الذكريات مشترك وبعضها الآخر خاص. أوّلها، وأهمّها ربما، هو مشهد الفلسطينيين يقتحمون الحدود في أيّار العام الفائت, معظمهم ظلّ في مجدل شمس المحتلة في حين وصل حسن حجازي إلى يافا، إنّ عضلاته المتعطشة للركض بلا نهاية هزمت منظومة إسرائيل الأمنيّة، حسن حجازي، كما أنا وأنت، وكما فرانز فانون يجلم بأن “يركض، يتسلّق، يضحك، يجتاز نهرًا بقفزة”, يسافر إلى أي مكان يريد دون الحاجة لإعطاء مبررات صحيّة أو دبلوماسيّة, يفعل ذلك لأنّه -ببساطة- يريد أن يفعله.

«إنّ الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفيتنامي في ديان بيان فو لم يبق انتصارًا فيتناميًا فحسب، فمنذ شهر تمّوز من 1954 أصبحت المسألة التي تطرحها الشعوب المستعمَرة على نفسها هي المسألة التالية: (ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟ كيف يجب أن نفعل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟).» أنا لا أعرف كيف هي الأمور عندك, لكنني أعلم يقينًا أنّي سألت هذا السؤال مليون مرّة, ليس شرطًا أن يكون النموذج ديان بيان فو، في حالتي يغلب أن يكون جنوب لبنان. ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق بنت جبيل ثانية؟.

 «إنّ قادة البلاد المتخلفة وطلاب البلاد المتخلفة هم من أحسن زبائن شركات الطيران. ان المسؤولين الافريقيين والآسيويين يستطيعون في شهر واحد أن يحضروا مؤتمرًا عن التخطيط الاشتراكي في موسكو، وعن محاسن الاقتصاد الحر في لندن أو في جامعة كولومبيا.» ذكّرني من فضلك – متى وإلى أين كانت رحلة الرئيس عباس الأخيرة؟ ماذا عن الرئيس اللبناني؟

 «إنّ الأحزاب السياسية الوطنيّة لا تلح أبدًا على ضرورة استعمال القوّة، لان هدفها ليس قلب النظام القائم واستئصاله من جذوره. ان هذه “الأحزاب السياسية” أحزاب مسالمة تنادي بالمشروعيّة وتناصر في حقيقة الأمر النظام .. الجديد، ولا تزيد على أن توجه إلى البرجوازيّة الاستعمارية هذا الطلب: أعطونا مزيدًا من السلطة.» طفل عمره 12 عامًا يقدر أنّ يقول لك بعد فقرة كهذه: آه, زي ما السلطة الفلسطينية بتعمل.

«بأي شيء تريدون أن تحاربوا المستعمرِين؟ بسكاكينكم؟ ببنادق الصيد التي عندكم؟.» كم مرّة سمعنا هذا السؤال من البرجوازية الفلسطينيّة وليبراليي العواطف وأعلى مستويات “القيادة” التي ما وصفت غير مرّة الصواريخ بأنها “عبثيّة” في حين كان “الكوادر” أكثر قربًا الى لغة الشارع فقالوا عنها: مواسير حديد فارغة. حتى أنّ البعض ينظّر اليوم – وهذا حقهم – لمقاومة سلميّة, أولئك لم يجدوا مكانًا للمفردة الأجمل في اللغة العربية “لا” إلا قبيل المفردة الأكثر الحاحًا “عنف”. يرد فرانز فانون على تلك الأسئلة الاستنكاريّة: «نابوليون، في حملة اسبانيا التي كانت حربًا استعماريّة تمامًا، أجبر على التقهقر رغم جيوشه التي بلغت أثناء هجمات الربيع من عام 1810 رقمًا هائلاً عو 400 ألف مقاتل. لقد اكتشف الاسبان الذين كان يحركهم ايمان لا يتزعزع، اكتشفوا تلك الطريقة في حرب العصابات التي كان المقاتلون الأمريكان قد جبروها قبل خمسة وعشرين عامًا في محاربة الجيوش الانجليزيّة.» نستطيع اليوم أن نضيف: في فيتنام، في كوبا، والجزائر وفي جنوب لبنان.

..

فرقة: la rumeur
nature morte – طبيعة ميتة

(الأغنية مستوحاة من الكتاب). 

وكأنّها البارحة

مارس 24, 2012

ربّما لأن الحنجرة أضيق من مقاس كلمة صادقة لم يكن جدّي يتحدث عن مشاعره كثيرًا. أقول هذا الآن فقط. راقبته طوال حياتي, يمشي, يأكل, يدخّن ويجلس طويلاً على أمام البيت في المخيّم على كرسيّه الأصفر مراقبًا الهواء لساعات طويلة. كانت مهنته قريبة جدًا من حقل المشاعر –كان يدفن الموتى- ومع ذلك لم يعبّر عمّا يدور بخاطره أبدًا. كان قليل الكلام بوجه محايد. وددت كثيرًا لو ألقيت نظرة على قلبه لأعرف كيف يعمل, على ماذا يتغذّى. سألت جدّتي عدّة مرات إن كان يصارحها بأشياء في خلوتهما وظلّت تجيبني دائمًا نفس الاجابة: جدّك رجّال، والرجّال لا يعبّر عن مشاعره.

ربما لم تقدر جدتي على اعطائي اجابة غير تلك في حياتها ولكن موتها سيغير المعادلة. لن يقدر جدّي على أن يكون مغلقًا وهو يكفّن شريكة حياته, لابدّ أن وجهها الشّاحب سيسرق ولو دمعة من عينه، هكذا ظننت، لكنّ تغسيلها تم, وبعد ذلك دفنها، وجدّي لا زال كما عرفته دومًا, بوجه لا يوحي بأيّ شيء.

عندما انتهى بيت العزاء, وعاد الصمت يشغل آذاننا في بيتنا الواسع, كنت على وشك أن أفقد الأمل بأي تغيُّر حقيقي. سرت وكأسا الشّاي في يدي إلى الغرفة لأجلس مع جدّي المتمدد، للمرة الأولى، على الأرض دون زوجه. جلست وأعطيته كأسه، ارتشف منه قليلاً, وضعه على الأرض ثمّ انفجر بالبكاء.

أقرأ باقي الموضوع »

يا خضر عدنان .. ارحمنا قليلاً!

فيفري 16, 2012

محمود عمر – غزّة

الأسير المعتقل إداريًا الحُر فعليًا خضر عدنان المضرب عن الطعام منذ أكثر من 60 يومًا، السلام عليكَ وبعد: 

مكتوب في نشرة الأخبار أنّك تواجه خطر الموت. أنا أكتب لك هذه الكلمات لأنني، عدا عن كوني غاضب منك ومستاء من أخبارك، أواجه خطر الحياة. الحياة اليوميّة بتفاصيلها الكئيبة يا خضر. أكتب لأنّ الجَمع من حولي مشغول فيما أنا مشغول فيه، والكل ينظر في عين من يجاوره كتفًا إلى كتف – لا فسحة للشيطان بيننا كما تعلم، ما عاد الشيطان ضروريا – نظرة استحقار من عين تكاد تشرع بالبكاء. بكاء كالذي اعترى جنود بني أمية وهم يسرقون حليّ نساء بيت النبي. نبكي ونسرق يا خضر، نبكي ونسرق.

أكتب إليك لأسأل: من تحسب نفسك؟ ها؟ من أين جئت بهذه القدرة الموجعة على اللامبالاة؟ كيف تسرّب هذا الكمُّ الهائل من الجَلد إلى جلدك؟ ماذا خطر في بال الله وهو يقلّبك طينًا بين يديه؟ أبشرٌ أنتَ مثلنا أم لك كفّ مضاءة وأفعى تسعى؟ هل تتبرّز وتبصق على الأرض ويطول شعرك وتختبر شكوكًا عميقة في كلّ شيء من حين إلى آخر؟ وكيف نجوت، أعني: لو كنت بطلاً وراجل قد كلمته، كيف في زماننا هذا نجوت؟ أجب!، قل أيّ شيء، دعني أسمع صوتك تتلقفه جبال فلسطين، والويل الويل لك لو ذكّرتني بسيناء القريبة وانهار على إثر صوتك أحدها! 

قاسٍ أنت يا خضر.

العشرات، وربّما المئات، غيروا صورة الفيس بوك إلى صورتك. العشرات، وربّما المئات، خرجوا في مسيرات تضامنيّة وأشعلوا الشموع، العشرات، وربّما المئات بل وربما الآلاف من عاهرات وعاهري وداعرات وداعري هذا الوطن السعيد أتوا من كل حدب وصوب يلهثون وراء فلاش الكاميرات وأسلاك الميكروفونات ليجدوا أنفسهم، دون تخطيط مسبق، في حضرتك أنت، تسلّم عليهم وتطلب منهم الجلوس والهدوء قبل أن تبدأ في إلقاء درسك اليوميّ عن الأخلاق والأمراض المنقولة جنسيًا. أيُّ عذاب هذا يا خضر؟ أيُّ عذاب سببت لنا، ولي أنا، على وجه الخصوص؟

هل تصلك في أرض الأبطال التي أنت فيها أخبار أسعار المحروقات؟ هل تعلم أن لتر البنزين في غزّة شارف سعره على الأربع شواكل؟ هل جاءك حديث الراتب؟ وشتم شرطة المرور؟ وتوقيع المصالحة للمرّة المليون؟ وأسماء قرىً يسرقها الحاجز ليتسمّى بها فتضيع القرية ويظلُّ الحاجز؟ هل عندكم مواتير وسهرات شواء وحفلات زفاف في فنادق خمس نجوم؟، هل تشعرون، أنت وصحبك، ولو بقليل من العجز الذي ينخر عظم السواد الأعظم؟

اسمع يا خضر، خارج سجنك، خارج وجهك، خارج عينيك .. “الحياة” باتت جداول يا عزيزي، جدول رواتب، جدول انقطاع كهرباء، جدول حواجز، وأنت تتجاهل ذلك وتتناساه وتحدثنا بكل برود عن الشّعر الحر ورفض الواقع. نحاول ارتجال شيء للحفاظ على ماء الوجه فنشيّد لك خيمة اعتصام أمام الصليب الأحمر ويقترح أحدهم (قصة حقيقية) أن نقيم من أجلك أمسية شعرية ولا نقعدها! سنقصفهم بالكلمات وندكّ أسوار السجن بالمجازات ونشبعكَ مديحًا يا أيُّها المضرب عن الطعام. الحياة جداول يا عزيزي، وما دمت حيًا تصارع، ستظلُّ تؤلمني وتنغص عليّ حياتي (كم هي مؤلمة هذه المفردة)، تقع مني في هذا الزحام فأنكسر. أمّا حين تموت .. فسنأتي من كبار السنّ والمجانين والصناديق العتيقة بالجدول الأوّل – جدول الشهداء – ونكتب اسمك ونمضي .. ويُقال أننى نكاد ننسى .. حتى يجيئنا نبيُّ آخر غيرك.