اسمعوا، أنا لا أحب الموت. أنا احبّ أبنائي, وأتمنى أن اعيش ويفرج عني لأعانق فتحيّة وحاتم وأحيا مع زوجتي ونربيهم معًا. لكنني لا أخاف الموت، ولن أجبن، وسأخوض المعركة معكم . اليوم تتجلى الحياة في رفض العبودية. هذه معركة مفروضة وسأشارك فيها حتى آخر نقطة من دمي.
أشرقت شمس 5/7/1970. اخترق نورها شقوق لوح الصّاج الذي يغطي نوافذ غرف سجن عسقلان. إنّه يوم التحدي وثاني يوم إضراب في تاريخ إضرابات الأسرى الفلسطينيين المفتوحة عن الطعام, فقد جرى أول إضراب في سجن الرملة في سنة 1969، ودام أحد عشر يومًا. الساعة السادسة والنصف صباحًا. تقدم ضابط العدد الاسرائيلي موشيه وناوله أحد الأسرى قائمة بمطالبهم كُتبت على ورقة علبة سجائر, فالدفاتر لم تكن تدخل السجن بعد. قرأ موشيه قائمة المطالب, وانطلق يسأل الأسرى في غرفهم: – مش عايزين تاكلوا. – لا لنا مطالب.- حتاكلوا بالقوة.
من الطبيعي أن تكون هذه، بطابعها العدائي، واحدة من الصور القليلة المتوفّرة لابن الزانية سالنجر على شبكة الانترنت. شخص يكتب رواية مثل «الحارس في حقل الشّوفان», كيف ستُلتقط له صورة؟ متمددًا بالقرب من أحد شواطئ هاواي يتناول شرابه من جوزة هند؟ جالسًا في أحد المقاهي الثقافة في نيويورك؟ لا طبعًا. ستُلتقط صورته وهو يحاول أن يلعن شرف المصوّر الذي، كما كلّ المصورّين، يحاول حبسه في إطار إلى آخر أيام الوجود على سطح هذا الكوكب البائس. حُبس في الإطار نعم، لكنّه حبس بعيدًا عن الماكياج والكلام الرث، حبس حقيقيًّا وحرًّا.
سالنجر، الروائيّ الأميركي الذي فارق الحياة يوم السّابع والعشرين من يناير من العام الفائت, لايملك في رصيده من الأعمال المنشورة سوى بضعة قصص قصيرة نشرت أغلبها في «النيويوركر»، روايات أخرى قليلة لا أعرف عنها شيئًا لعدم ترجمتها إلى العربيّة، ورواية لا أبالغ حين أقول أنها هزّت العالم، وهزّته شخصيًا، فانزوى بعد نشره إيّاها واشترى عام 1953 بيتا في منطقة كورنيش، في نيو هامبشاير، واختار العيش في عزلة، ولم يتعامل مع أي كائن بشري يملك قضيبًا، وحدهن النساء كنّ يدخلن حياته ويخرجن منها الواحدة تلو الأخرى. الحارس في حقل الشّوفان، المنشورة له عام 1951، بيع منها أكثر من 65 مليون نسخة، ولا تزال تحتفظ بمكانتها إلى لحظة كتابة هذه التدوينة اللعينة.
يا معاول الدنيِّ الفقيري يا نسور / عم ترمح بهالجوّ وتقفش النور*
كتبت في مكان ما، مكان لن أخبركم أين يقع، أنّ الكتابة عن الثورة المصريّة لا تزال مصنّفةً بالنسبة لي تحت بند «ليس بعد»، فرغم أنّي أعيش في مصر ولست بعيدًا عن كل ما يحصل فيها، إلّا أنّ ما رأيته وعشته وسمعته، بلا ديباجات وكلام معسول وتزويق للحكي، يحتاج سنينًا من التخمير والتقطير والذوبان الهادئ كقطعة سكّر في فنجان قهوة، ليعطى حقّه إذ يتحول حبرًا على ورق. الكتابة أمانة، هكذا أراها، وحين يتعلق الأمر بثورة مصر، فالأمانة تصير أشدّ قداسةً وأكثر إيغالاً في جلد اللغة. ولذا، فهذه التدوينة، المكتوبة ذهنيَّا، على باب سفارة إسرائيل، ليست «كتابة» عن الثورة المصريّة بقدر ما هي أغنية، وتعلمون أنتم كم تضيق الروح أحيانًا، على رحابتها، بأغنية جميلة. أقرأ باقي الموضوع »
كنتُ طفلاً حين قرأت للمرّة الأولى جملتك التي تقول فيها: الي بدّو يكتب لفلسطين، واللي بدّو يرسم لفلسطين، بدّه يعرف حاله ميِّت. لم يصعب عليّ في وقتها أن أجد تفسيرًا لموتنا المحتّم إن نحن اجتهدنا في الحياة؛ إسرائيل. ولدتُ أثناء حظر للتجوّل وعلى بعد نصف ساعة بالسيّارة من مفاعلها النووي، فكيف لا تكون هي، البلد المفتعل القبيح، علّة موت الكتّاب والرسّاميين ؟. هذا وظلّت إسرائيل وحدها مرتبطةً بمقولتك حتّى كبرت بالحدّ الكافي -وليتي ما كبرت- لأكتشف الأنظمة العربيّة. بعض الأشقّاء العرب هم أيضًا من مسببات الوفاة. اليوم، بعد أربع وعشرين عامًا على رحيلك، أضيف سببًا جديدًا، قد يبدو هامشيًّا، لكن الموت نفس الموت. الّي بدّه يكتب عن فلسطين، أو يرسم لفلسطين، أو يحب فلسطين، بدّه يعرف حاله ميّت؛ من القهر.
والنسيان، كما أظنّه قصده، هو ذاك الذي يتسلل، لا الذي يتم إدخاله عمدًا، إلى بيوت الذاكرة. النسيان العادي، الناعم، الذي لا يملك أجندات خارجيّة. ومع ذلك فهو في رأي الراحل الأديب، ورأيي المتواضع، آفة ومصيبة سودة. فما بالكم بنسيان متعمّد، بمنظومة كاملة يُراد بها شطب الذاكرة وجعل النسيان إدمانًا وصلاةً تُقرّب المواظب عليها إلى قلب الحاكم وفردوس “الواقعية السياسية”، منظومة يأتيها الدعم من أقصى شمال أوروبا ومن بلاد النفط. تختلف العناوين والغرض واحد: النسيان المعتمّد وخلق جيل لا يملك مساحة في التّاريخ، ولا يجرؤ على أن يضع اصبعه في عين المستقبل، جيل لا يعلم أن الفارق بين البندقيّة والوردة فارق توقيت لا أكثر. بماذا يوصف ذاك النوع من النسيان الذي يراد لنا أن نمارسه؟ النسيان الذي سيعمينا عن بوستر كهذا طبع قبل حتى يفكر الهبيلة أبو مازن في كل هذه الدوشة إزاء ايلول ويزمّر له الحالمون بدولة جيب الكنغر. أعتقد أن بئرًا من الخراء ليترفّع ويرفض بكل قواه الخرائيّة أن يشبّه به، فهو نسيان الاتفاقيّات، والعناوين المبدّلة، والنصف موقف، والربع محاولة. ولذا؛ هذه محاولة صادقة للضغط في الإتجاه الآخر، في إتجاه الذاكرة، في إتجاه البعد عن الآفة، ونحو حارة أفضل.