Posts Tagged ‘غزة’

سنة أولى لندن

أغسطس 26, 2014

سنة أولى لندن. سنة كاملة. كنت سأقول: فصولٌ أربعة لولا أنّ الفارق بين الفصول، في لندن، ليس جديًا بالمرّة. فالشتاء هنا هو «المعلّم»، والصيف والخريف والربيع صبيانه الذين يرسلهم في مهمّات سريعة حيث يحب، ويعيدهم إلى بيت طاعته متى يحب.

10654173_10202405813094557_632994189_nلم تكن الطائرة التي حملتني من القاهرة مشغولة بكاملها. أتذكر أنّني حظيت بثلاثة مقاعد فارغة لي وحدي ولتوقعاتي وخططي للمدينة الجديدة التي رأيت منها، أوّل ما رأيت، نثارًا ضوئيًا أصفر يشبه أضواء مستوطنة «دوغيت» التي كثيرًا ما تأملتها في سهرات لعب الشدّة على السطح.

التقطت صورًا للمشهد القابع تحت الطائرة. المشهد المتمدد كجثّة. التقطت صورًا كثيرة وما زلت أقلّبها كلّما عَنَّ على بالي أن أنقّب في هاتفي المحمول. أتأملها: بساط أسود كبير، ونقاط ضوئيّة صفراء لا نهائيّة. لم أتجرّأ بعدُ على حذف هذه الصور حتى عندما أكون في أمسّ الحاجة، على هاتفي المحمول، إلى مزيد من «الذاكرة». أحذف صورًا أخرى وأشخاصًا آخرين. فلقد كانت هذه، على الرّغم من كلّ شيء، المرة الأولى التي أركب فيها طائرة في حياتي.

كان صباحي اللندنيّ الأوّل أبيض. أبيض بحقّ. رطبًا ومثبّتًا إلى الأرض ويمكن، لتوقيته، إمساكه باليدين. مشينا، حمزة وأنا، إلى محطّة المترو. قلت له: دعني قليلاً، أريد أن أتأكد أنني لا أمشي في صفحات رواية. إلى هذا الحدّ كنت مأخوذًا، وبماذا؟ بشارع عاديّ في إيست آكتون، واحدة من أبسط مناطق لندن وأقلّها جذبًا للسيّاح.

كانت تلك الجملة بندًا على فاتورة شحّ منسوب الدهشة في حياتي التي دفعتُها، صاغرًا، في أكثر من مناسبة. فأنا، كأجيال بأكملها، كنت أعتبر الذهاب من مخيّم جباليا إلى مدينة غزّة «رحلة» يجب الاستعداد لها والتخطيط وارتداء أفضل الملابس لعلّ واحدة من «بنات غزّة» المتوهجّات كنجم بعيد لا يمكن لمسه تقع في حبّي، أنا إبن المخيّم، من النظرة الأولى. لقد خالط هذا النوع من البؤس القويّ كثيرًا من سنوات العمر. أشعر، عندما أفكّر في ذلك، بالفداحة والتسليم. هذا ما كان، ولن يتغيّر.

ضحك حمزة على جملتي. ولو كان العالم يستمع إليّ في حينها، لكان لزامًا عليه أن يضحك. تمامًا مثلما أضحك أنا اليوم عندما أفكّر في تعامليّ العادي مع الشوارع، وعندما أتذكر ما حملته معي، قبل عام، إلى لندن. كنت أعتقد أنني «نجوت» من القاهرة، وربّما أكون قد نجوت منها فعلاً، لكنني لم أنج منّي، ومن لندن. أفكّر، بعد سنة أولى لندن، أنّ هذه المدينة لو كان لها أن تقول لي شيئًا واحدًا فلابد له أن يكون شيئًا من قبيل: ليس كما كنت تتوقعّ، أليس كذلك؟ ستقول ذلك ونصف ابتسامة صفراء على وجهها.

لقد غيّرت هذه السنة كثيرًا من الأشياء في رأسي. عبثت به مثلما كان يعبث جارنا أبو أحمد بمحرّكات السيارات في ورشته المفتوحة على الدوام، يمدّ يده في جوفها وينحني عليها فيظهر خيط مؤخرته من فوق بنطلون الجينز. يفكّ، ويركّب، ويشحّم، ويقطع، ويوصل، وينادي على الشغّيل لتجهيز الشّاي.

تخلّيت عن أفكار كثيرة، وفتحت الباب لأفكار جديدة. أشرت بيدي لها كي تدخل، ودللتها على طريق الصّالة. رحّبت بها ووضعت ضيافتها كاملة على الطاولة لعلمي أنّها ستمكث كثيرا. خسرت أشخاصًا، وكسبت أشخاصًا آخرين. حدث ذلك فجأة، في غمضة عين كما يقولون. الطبيعيّ أن يتبدّل الناس في حياة المرء، لكن هذا التبدل يحدث، عادةً، بهدوء، وعلى فترات. لكنه حدث معي مُكثفًا، ودون سابق إنذار. وما زلت أحتفظ، وأنا أودّع السنة الأولى في لندن، بكثير من خيبات الأمل، والتحفّظات، والنقمة، والغضب، والاعتذارات، والهواجس، لكنني لا أبدو جديًا في محاولة تصريفها.

أراكمها مثلما كانت تفعل جدّتي مع كلّ شيء. تضعه في صناديق وبراميل وعلب وترميه تحت بيت الدرج: سكّر، زيت، مخللات، دقيق، نحاسيّات، ملابس، وكلّ ما يمكن للمرء أن يتخيّله. «كلّه بيلزم»؛ كانت جدّتي تقول. أقول لنفسي الشيء ذاته كلّما صدف وقمت بزيارة تفقديّة إلى بيت درج حياتي.

وفي السنة الأولى، مرّت علي أيّام وُضعِت فيها كلُّ مُركّبات هويتي في حالة استنفار؛ لغتي، فلسطينيتي، غزّاويتي، لكنني أحسب أنني استطعت عبور الجسر، بشكل أو بآخر. لم أعبره سريعًا، ولم أعبره بمهارة. عبرته وأنا أمسك بجانبيه؛ أتشبّث كي لا أقع. أمشي ببطء؛ خطوة خطوة، في الطريق إلى الجهة الأخرى. الجهة الأكثر نضجًا.

والنضج هذا، كما كان أبي يقول، مرهونٌ بالبهدلة. ولقد ثبت لي قوله أيّما إثبات. كلّما تبهدل المرء، وكلّما شحّت عليه الموارد؛ ماديّة كانت أم عاطفيّة، كلما أُضطر إلى أن ينضج ويبدّل جلده بجلد أقسى، ويتمهّل أكثر قبل إبداء رأيه حول أيّ مسألة، كبيرة كانت أم صغيرة. ومع أنني لم أكن أريد لسنتي الأولى في لندن أن تكون سنة نضج، بل سنة لعب ومشاكسة وراحة، إلّا أنها كانت كذلك.

وفي سنتي الأولى عرفتُ الغربة. هذه المفردة التي كانت غريبةً عليّ حتى بعد ثلاث سنوات قضيتها في القاهرة. ليس ثمّة في القاهرة غربة. القاهرة فيها ازدحام، وفشل، وفوضى، ونهر، وأصحاب، وأغانٍ، وإيقاع حياة سريع. لكن لم يكن فيها، على الأقلّ بالنسبة لي، غربة كالتي سمعت عنها، طفلاً، في أحاديث عائليّة تختصّ بمن سافر من الأخوال والأعمام.

في لندن عرفتُ الغربة. وقد استغرق تعارفنا، وموعدنا الأوّل، بضعة أشهر. لابدّ أننا شربنا، معًا، مئات الفناجين من القهوة. لم نتحدث كثيرًا. قضينا الوقت نتأمّل بعضنا. بدت لي الغربة، أوّل ما بدت، شبحًا. لم أصدّق أنها موجودة. هذه الفكرة الكلاسيكيّة التي أنفر منها مثلما أنفر من الأدب الرديء.

ثمّ كيف أشعر بالغربة؟ لقد تركت المنزل، وأسلوب الحياة الخاص به، منذ سنين طويلة. تركت كلام الناس وضرورة مراعاته، وأسعار السجائر وارتفاعها، وأسلاك الكهرباء وانقطاعها. تركت غابة الاسمنت. تركت الغرف الضيّقة، والفصل بين الجنسين، والحدود المغلقة، وحفظ القرآن الإجباريّ، وطائرة الاستطلاع، والتديّن الزائف، والمتع المخبّأة. تركت كلّ هذا وذهبت بعيدًا عنه، في رأسي، حتى صار مجرّد نقطة في أفق بعيد.

لكنني شعرت بالغربة. هكذا، بكلّ تفاهة. واكتشفت أنّ كلّ ما تركته، لم يتركني. يتعلّق بي مثلما يتعلّق طفل جائع بوالدته. يطاردني ويجعلني أفكّر أنني لا أريد أن أرى العالم بقدر ما أريد أن أريه لأولئك الذين أحب.

لكن الانغماس في القراءة والتعلّم مكنني من تحجيم الإحساس بالغربة. كان هذا أيضًا علامة فارقة في السّنة الأولى. أن أقرأ ما أحب، وأن أدرس ما أحب، وأن أضع قدمي، أخيرًا على مسار أستطيع أن أواجه نفسي وأقول: لقد اخترته أنا، ولم يولد معي. ومع أنني كنت أتمنّى أن لا يكون المسار بالشاكلّة التفصيليّة التي هو عليها، لكنني تيقّنت أن المرء لا يحصل أبدًا على ما يريده بالضّبط – لا في العلم، ولا في العاطفة.

وفي سنتي الأولى مرّ الوقت كرصاصة، وشاهدت الملايين تركب الميترو بخطوة واحدة، وتخرج منه بخطوة واحدة،. رقصت، في سنتي الأولى، ساعات طويلة في نادٍ من ثلاث طوابق، وشاهدت المسيح يصلب في ترافالغار سكوير، ومشيت في شارع عمره أكثر من خمسة قرون، وجلست على طرف آيرلندا لأشاهد اسكتلندا على الطرف الآخر. وفي سنتي الأولى زرت اسطنبول وعمّان، ووقفت لأتأمّل أحيانًا بعض لمحات الجمال الحقيقيّة، والنادرة، التي تقدّمها لندن عندما تقرر أن تتخلى قليلاً، لدقائق، عن طابعها الميكانيكيّ.

وفي سنتي الأولى شعرت أنني لم أفعل شيئًا، ولم أبارح مطرحي. وفي سنتي الأولى شعرت بالبرد، والحبّ، والوحدة، وتحسّنت تحسنًا هائلًا في صنع الشكشوكة. وفي سنتي الأولى صرت عدوًا أفضل لمن يستحقّ عدواتي، وتأكدت من جهلي البنّاء، ومن كرهي للمجوّفين. وشتمت نفسي، والآخرين.

وفي سنتي الأولى، تساءلت مرارًا، وأنا أتأمل نزول المطر –مثلما أتأمله الآن يموّج زجاج نافذتي- عن منبع رغبتي الدائمة بالهرب. كأن رغبتي بالهرب نهر النيل! منذ سنوات طويلة وهي تجري ولا تنضب، ولا تتوقّف، ولا تلين.

لا تزد الطين بلّة. لا تشتر الوردة.

مايو 26, 2014

محمود عمر

بالإضافة إلى عربات الكستناء المشويّة والكعك المرشوش بالسمسم وأفوّاج السيّاح الهدّارة بمن فيها من عجائز يبحثن عن فرص ملائمة للموت، وشباب أقسم أن يعبر إلى تركيّا ويكيّف، وبائعات هوى، وجنود سابقين في جيش إسرائيل، ورجال أعمال صينيين، وتجار أقمشة سوريين، يمكنك أن تجد في شارع الاستقلال في قلب اسطنبول الكثير من بائعي الورد. يقف هؤلاء على مسافات من بعضهم البعض ويحملون في أيديهم بضاعتهم التي يلفُّونها بأشرطة من القماش الأبيض وترتسم على وجوههم ابتسامة في غاية البلاهة.

ومثلما تحتدّ عينا صّقر في رحلة صيد، تحتدّ أعين بائعي الورد بحثًا عن الطريدة. وطريدة هؤلاء ذات طابع مزدوج: شاب وفتاة يتأبطان بعضهما البعض، أو رجل وزوجته يتمشيان في دعة في هذا الشّارع التجاريّ العريق. بعد تحديده الهدف؛ يقترب بائع الورد وقد دفع بالابتسامة على وجهه إلى حدّها الأقصى، ويمدّ على زبونيه المُحتملين وردة حمراء يريد لها أن تُمثِّل أكثر مما هي عليه حقًا. أن تكون تتويجًا لشيء ما.

tumblr_n580gbLMwb1rouua1o10_1280أمّا على كوبري أكتوبر أو قصر النيل في القاهرة فجرت العادة أن يُستعاض عن وردة اسطنبول الحمراء بعقد صغير من الفلّ الأبيض. عالمنا هذا، في نهاية المطاف، مليء بالفروقات الثقافيّة التي تفرض نفسها حتّى على نوع النبات الملائم لعلاقة حب مُفترضة. في بعض المدن، لا يخضع النبات المعروض للبيع على حساب الحبّ للتغيير، بل للإلغاء التّام. في متنزّه الجنديّ المجهول في غزّة (وهذه نعتبرها مدينة على سبيل التقريب لا أكثر) يمكنك أن تجد الكثير من بائعي الشاي والقهوة، لكنك ستكون بلا شك في موقف نادر إذا ما اقترب منك أحدهم وأنت تسير إلى جوار صبيّة ما وعرض عليك –بدلاً من فنجان الشّاي أو القهوة- أن تشتري وردة!

في لحظة اتخاذه قرار البدء في معاملاته التجاريّة، يمزج بائع الورد في عقله بين أمرين. الأمر الاوّل ذو طابع ذاتي يتعلّق بشخصه وقدراته العقليّة. يفترض بائع الورد بأنّه قادر على كشف الحبّ والتعرّف عليه ويقرر بناءً على ذلك الشروع في مسيرة مهنية يرتبط الربح فيها ارتباطًا عضويًا باللعب على وتر خجل العاشق أمام معشوقه، أو خجل الزوج أمام زوجته. أمّا الاعتبار الثاني فهو متعلّقٌ بطبيعة الحبّ وتجلياته التي تكرر نفسها بإيقاع رتيب في الفضاء العام. في لندن مثلاً، وهنا يسمح الفضاء العام بما لا يسمح به في مدن كإسطنبول والقاهرة، فإنّ رؤية شاب وفتاة يتمددان على العشب وقد انكبّا على تقبيل ومداعبة تصبح بعد فترة معيّنة من الوقت جزءًا لا يتجزّأ من الحديقة العامّة تمامًا مثل المقاعد ونقاط المعلومات. 

يعني هذا أنّ بائع الورد، بعد افتراضه المبدئيّ بأنه يملك ما يؤهله كي يكون “كاسحة مشاعر بشريّة” فإنّه يسخّر كلّ إمكانات ذاكرته وحصيلة مشاهدته وما قرأ وسمع كي يستحضر ويكثّف الـ”داتا” التي ستساعده على إثبات فرضيّته ووضعها موضع التشغيل: إمساك الأيدي أثناء المشي؛ وضع اليد على الكتف أو حول الخصر، التشارك في كيس كستناء واحد، التقبيل بسبب وبدون سبب، النظرات الشبقة أو أن يقوم الرجل بإطعام المرأة بيديه؛ أو العكس.

ما لا يدركه بائع الورد –وهنا تبدأ مرحلة خلافنا الجذريّ معه– هو أنّ طبيعة المنتج الذي اختار تسويقه والفرضيّة التي اعتنقها (وهي، كما تقدّم الذكر، فرضيّة أنّه “كاسحة مشاعر بشريّة”) تدفع به لأن يكون مثل الغريب الذي دخل –بنيّة حسنة– مسجد القرية الوادع دون أن ينزع من رجليه حذاءه المتّسخ بالطين.

يمكن لنا أن نتفهم الفقر والعازة وضيق الحال، بل إنّ من واجنا الإنسانيّ أن نتفهم ذلك وأن نتمنّى التوفيق لكلّ صغار الكسبة الذين يركضون وراء لقمة العيش في شارع الاستقلال مثلما نتمنّى الدمار والخراب للماركات العالميّة الموجودة في نفس الشارع، لكن هذا لا يعني أن نتسامح، ولو كنّا نرزح تحت ضغط المظلوميّة الاجتماعيّة، مع فعل على درجة عالية من قلّة الذوق مثل دخول المسجد بالحذاء!

إذ أنّ بائع الورد، على عكس بائع الكستناء والكعك والشّاي والقهوة والمكسّرات، ما أن يطلّ برأسه حتى يهمّ بكسر ما لا يجب أن يُكسر أو أن يمسّ بسوء في زمن الاستهلاك والتكرار المقيت الذي نعيش فيه. والمقصود هنا هو الطابع الثنائيّ بالغ الخصوصيّة للعلاقة العاطفيّة، والذي يساعدنا –نحن المنخرطين فيها– على أن نقنع أنفسنا، زورًا وبهتانًا، بأن ما نعيشه من معترك عاطفيّ مليء بالقلق والعرق والتقلّبات ليس أمرًا قابلاً للكشف، هكذا، بسهولة، وبحدّ أدني من الجهد. نحن نعرف أنّ علاقتنا العاطفيّة موّال غناه قبلنا الملايين، وسيغنيه من بعدنا الملايين، لكننا لا نريد أن يخبرنا أحدٌ بذلك. 

أمّا بائع الورد فإنّه ما أن يمدّ يده كي يعرض على زبونيه البضاعة حتى ينتفي عنها غلاف الخصوصيّة الهش وتصير مكوّنة من ثلاث أفراد: الشّاب، الصبيّة، وبائع الورد. تحدث عملية الاختراق فجأة وبدون مقدمات ويصير بائع الورد، لدقيقة أو دقيقتين، جزءً من المشهد. ينام بين الحبيب والحبيبة في منتصف السرير ويتابع معهما فيلم السهرة ويبدي رأيه في العلاقة برمّتها. كأنّ به يقول “انا أعتقد أن علاقتنا (علاقتنا!) بحاجة لأن يشتري أحدكما للآخر وردة. هاك وردة”.

إنّ هذا الاقتحام في غاية الخطورة؛ لاسيّما أنّ أحد المحبوبين عادة ما يخضع –إمّا تحت تأثير الخجل من نظرات محبوبه، أو تحت وطأة إغراء اقتراف الابتذال– إلى شراء الوردة بالفعل، وبذلك تكون أركان المصيبة قد اكتملت. لا يساهم الحبيب إن هو اشتري الوردة في جعل ما يربط بينه وبين حبيبته يرتد ليحيل على ملايين قصص الحب المجترّة فحسب، بل إنّه يرد أيضًا على بائع الورد قائلاً: “نعم، أعتقد أنّك محق. هذه العلاقة بحاجة إلى وردة. هاك ثمنها”.

إنّ النصيحة الواجبة لكلّ بائعي الوردّ حول العالم هو أن يغيّروا مجال عملهم إلى منتجات أقلّ إثارة للاشمئزاز والمشاكل. الفستق المملّح مثلاً. أمّا النصيحة الواجبة لكلّ عشاق العالم فهي أن لا يزيدوا الطين بلّة. بكلمات أخرى، أن لا يشتروا الوردة.

دراما كوينز، أحرار، هنكمّل المشوار!

مايو 16, 2014

محمود عمر

على سيرة النكبة؛ تنتمي عائلتي التي هاجرت من قرية «بيت طيما» بعد النكبة إلى عشيرة «السماعنة» التي تتوزّع اليوم على فلسطين وسوريا والأردن ومصر التي تضم قرية باسم العشيرة في محافظة الشرقيّة. وعشيرة «السماعنة» هذه بطنٌ من بني مهدي، وهم قبيلة من بني عذرة التي سكنت المدينة المنورة ونُسب إليها الحبُّ العذري الذي ساد بين شبابها وانتشر.

وقد حكم أجدادي بنو مهدي إمارةً لهم في بلقاء الأردن مدة تفوق الخمسة قرون قبل أن يأخذوا ملوخيّاتهم بدري بدري ويتوجّهوا غربًا. كانت إمارتهم أيّام عزّها تمتدّ لتشمل مما نراه اليوم محافظات عمّان وإربد والزرقاء، وكانوا أيّام الدولة العثمانية مسؤولين عن حماية طريق الحجّ قبل أن يدخلوا في العصيان في أوائل ستينيّات القرن السّابع عشر (بنحب نجر شكل من يومنا) ويمتنعوا عن دفع الرسوم للدولة. وبعد تسلِّم الأمير جودة المهداوي زمام الأمور في إمارة البلقاء، بدأت الدولة العثمانيّة تعدّ العدّة للإطاحة به مستعينة بقبائل أخرى في البلقاء وما جاورها، وقد انتهت الحرب التي دامت خمسة وعشرين عامًا بين بني مهدي والدولة العثمانية إلى هزيمة المهداويين وشتاتهم.

keep-calm-and-be-a-dramaqueen-2انتقلت عشيرة السماعنة جرَّاء الحرب وما صاحبها من فتن إلى فلسطين، ونزلوا أوَّل ما نزلوا في الخليل. وذكرهم الزبيدي المتوفّى عام 1791م في تاج العروس قائلاً: السماعنة بطنٌ من العرب في بلد الخليل عليه السلام. وبعد فترة، اقتتل السماعنة مع أهل المناطق الأصليين في معارك كان من أشهرها معركة خربة عيد الميّة، ونزحوا على الأثر إلى شمال سيناء ومحافظة الشرقيّة بمصر، وقرى بيت نتيف وصميل وترقوميا قضاء الخليل، وإلى السّوافير ودير سنيد وبيت طيما التي هاجر منها جدّي عام 1948 إلى مخيّم جباليا في قطاع غزّة.

من اليمن إلى الحجاز إلى الأردنّ إلى الخليل إلى غزّة؛ أنا لاجئ من ظهر لاجئ من ظهر لاجئين. هكذا إلى أن يصل بنا النسب إلى قبيلة قضاعة التي قال البعض بعدنانيّتها، نسبة إلى عدنان وهو الجدّ العشرين للنبي محمّد، في حين قال البعض الآخر بقحطانيِّتها، نسبة إلى قحطان جدّ العرب العاربة الذي يرجع نسبه إلى سام بن نوح – وأنا، في الحقيقة، أفضِّل هذا الاحتمال لما في حكاية نوح من هجرة ولجوء؛ ذلك أنني غاوي نكد بطبعي.

يعني هذا العرض السريع أشياء كثيرة منها، ولعلّه أهمها، أنني وجميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي، الشهير بجميل بثينة، أقارب. بالأحضان يا ابن عمّي بالأحضان!

ليس جميلة بثينة على نفس مستوى الشهرة مع قيس بن الملوّح؛ لكن ابن عمّي جميل لايزال مشهورًا إلى حدّ ما، وما يزال اسمه–كما أراد هو، ذلك العكروت– يرتبط باسم المرأة التي أحبّها دون أن يحصل عليها أبدًا: إنّه جميلُ بثينة.

هكذا تعرفه النّاس وتفهمه على الرَّغم من أنّ غالبيتهم لا تدري كيف بدأت حكايته مع بثينة. لا يعرفون أنّه التقاها في وادي بغيض، وأنّ قصة حبهما بدأت بتبادل الشتائم.. هو قال ذلك بنفسه:

وأوّل ما قاد المودَّة بيننا .. بوادي بغيضٍ يا بثينُ سِبابُ

كان لكتاب صادق جلال العظم «في الحبّ والحبّ العذريّ» المنشور قبل عقود إسهام في تثبيت وجود جميل في الذاكرة. أراد المفكِّر السوري تحطيم أسطورة الحبّ العذريّ الذي عادة ما نُسب إلى جميل وإلى قبيلته، وحسنًا فعل. أنا على قناعة، لمعرفتي بجميل وللشبه بيني وبينه، أنَّه كان ليسعد لو قرأ الكتاب، لكنك بلا شكّ كان سيترك بعض الملاحظات.

نظريّة العظم في غاية البساطة: كان بإمكان جميل أن يكتم حبّه لبثينة لتتجنب الاشتباك مع قانون القبائل، لكنّه صرّح به مدركًا العواقب. كما كان بمقدرة جميل -وهو الفارس الجميل- أن يطلِّق بثينة من زوجها ويظفر بها، لكنّه لم يفعل ذلك أبدًا. ومن هنا، يحاجج العظم بأنّ جميل ليس العاشق المخلص، المحكوم بالعفاف والهائم على وجهه لاستحالة وصوله إلى محبوبه، كما صوَّرته لنا عديد من المؤلّفات ذات العلاقة.

يقول العظم، واتفق معه فيما يقول، بأنّ جميل كان يريد العذاب، وأنّ علاقته بالمحبوبة (والتي يصفها العظم بالزنا في القلب – وهنا أختلف معه) استمرّت بعد زواجها من غيره؛ ما يعني أنّ جميل كان يريد المزيد من المشاكل، ضاربًا بعرض الحائط كلّ التقاليد والعادات، وباصقًا في وجه مؤسسة الزواج. بل ويتعدّى الأمر ذلك ليصل إلى حدود أنّه، مستغلاً وضعه وقوّة قبيلته، كان يتردد على بيت بثينة فيعجز زوجها وأهلها عن ردعه. هو نفسه تحدث عن ذلك:

إذا ما رأَوني طالعًا من بثينةٍ .. يقولون مَن هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلاً وسهلاً ومرحبًا .. ولو ظفروا بي خاليًا قتلوني

يستنتج العظم ما يلي: لقد كان ابن عمي جميل دونجوانًا. لكنّه، على عكس الدونجوان الذي يتنقَّل من امرأة إلى أخرى، فضَّل أن يكون دونجوان إمرأة واحدة فقط، وأن تكون بثينة دونجوانته وحده. بلغة اليوم الدراجة: لقد كانا، هو وبثينة، «دراما كوينز» بامتياز.

قرأت الكتاب أوّل مرة قبل سنوات، وحين أعدت قراته مؤخرًا، لم أستطع إلا أن أشعر بشبه كبير بيني وبين جميل. نحن، في نهاية المطاف، أقارب وأولاد عمومة. أنا أيضًا على علاقة غير وطيدة مع مؤسسة الزواج ومع كلّ مظاهر الاستقلال والالتزام. أنا أيضًا لا أملك إلّا أن أشعر بأن موسيقى ستصدح عندما أقرأ : «متى ظفر العاشق بالمعشوق مرّة واحدة، نقص تسعة أعشار عشقه».

يقسو جلال العظم علينا قليلاً، ولا يفهم تمامًا أنّ «الإنسّان علّته الإنسان». يعيب على جميل، وعليَّ بالتسامي، أن نكون «دراما كوينز». لكن، أتعرف ماذا؟ فليذهب العالم إلى الجحيم. نحن لا نملك إلا أن نكسر القواعد، أن نسكت عندما يتوجّب أن نتكلّم، وأن نتكلّم حين يُطلب منّا السكوت. ما لا يفهمه العظم بالحدّ الكافي هو أننا، وإن كنَّا، أنا وجميل، ننتمي لسلالة عشَّاق مهزومين كما تقدّم؛ فإنّ هذا لا ينفي أننا ثوّار لا يُعاد انتاج هزيمتنا إلا عبر إعادة إنتاج ثوراتنا وهجراتنا. أن سعادتنا المَرضيّة بالألم وسعينا وراءه لا يعني انتفاء ما له من آثار مدمّرة.

كم نحن غلابة!

نحن تمامًا كما قدّم لنا ووصفنا الجاحظ في واحدة من رسائله: المستمتعين بالنعمة، المؤثرين للذّة، المعدّين لوظائف الأطعمة وصنوف الأشربة، والراغبين بأنفسهم عن قبول شيء من الناس، أصحاب الستر والستارات، والسرور والمرواءات.

كان جميل يدرك أنّ انتصار الثوّار سيعني أنهم لم يعودوا ثوارًا، بل صاروا شيئًا آخر. كان هذا ما يرعبه، تمامًا مثلما يرعبني. أن تتزوّج بثينة، وبثينة هنا مجاز مطبق. أن تستسلم وتمشي جنب الحيط، أو أن تصل بالصخرة إلى قمّة الجبل، تضعها من بين يديك، تنظر من حولك ولا تجد ما تفعله. والألعن: لا تجد ما تحكي عنه. 

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

غزّة باعتبارها مدينة بائسة، والغزّيون باعتبارهم أصحابي.

أكتوبر 13, 2012

في موسوعته «معجم البلدان»، يقول ياقوت الحموي عن معنى الاسم: «غزّ فلان بفن واغتزّ به إذا اختصّه من بين أصحابه.» ورجّح آخرون منهم مصطفى الدبّاغ أنها بمعنى: قوى ومخازن وكنوز و«ما يُدّخر». المدينة التي سمّاها المصريّون «غازاتو» وشعر الآشوريون بشيء ما حميمي تجاها فنادوها «عزاتي» مدينة شرسة منذ القدم. في العام 332 قبل الميلاد هاجمها الاسكندر المقدوني فاستعصت عليه، وآثر قائدها “باش” القتال على تسليم المدينة. اشتدّ الحصار وقاوم الغزيّون ببسالة حتى وصل بهم الأمر أن جرحوا الاسكندر المقدونيّ باحدى حرباتهم فجنّ جنونه وانسحب مضمرًا عزمه على اقتحام المدينة في جولة ثانية راح يستعدّ وجيشه لها أيّما استعداد. بعد عودته هاجمها أربع مرّات حتى دخل، وأعمل فيها السيف وذبح فيها خلقًا كثيرًا، لكنّه أمر باعادة اعمارها وجعل بعض اليونانيين يقيمون فيها، هكذا إلى أن مات واقتتل عليها الورثة من بعده، وكانت الغلبة للجانب المصريّ الذي يقوده “بطليموس” حتى اذا ما كبر “انتيغونوس” واشتدّ عوده حتى عاد فأخرج بطليموس منها وآلت سيادتها وكل مدن الساحل له ولمن معه. هذه اللمحة من تاريخ المدينة تتكرر بايقاع ثابت، فقبل اليونانيين كانت سيوف الفراعنة والهيكسوس والآشوريين والبابليين والفرس، وبعدهم الرومان والعرب المسلمون والصليبيون والمماليك والعثمانيون والانجليز الذين رحلوا وما رحلوا. يمكن أن نقول، بكلمات مختصرة ومعبّرة : تاريخ غزّة معركة دائمة يتخللها بعض الهدوء.

اليوم، في عصر السوق التجاري والفيزون والآيفون وعشرات آلاف القتلى الذين يتكدّسون في شريط أخبار لا يزيد عرضه عن بضعة سنتميترات مضيئة في أسفل الشاشة، في العصر الذي قال هنري ميللر عن وسائل الترفيه فيه أنها «ليست سوى عكازات أصابتنا بالشلل»، ماذا يمكن للمرء أن يقول عن تلك “اللطخة” الجغرافيّة الجالسة بحشمة على شاطئ المتوسّط؟ هل أفتح صفحة جديدة في نفس الكتاب القديم الجديد، أم أمزّق كل شيء وأقول ما أريد أن أقوله، انطلاقًا من هذه اللحظة؟. الأكيد أن غزّة كقطعة علكة مضغتها إمرأة في منتصف الثلاثينات حتى العصر قبل أن تبصقها في شارع مزدحم فداستها باصات النقل العام غير مرّة قبل أن يأتي عامل نظافة بزيّ كئيب في آخر الليل ويكنس الأرض من حولها، وتظلّ هي ملتصقة بمصيرها البائس. الأكيد أنّ غزة، كموضوع للحديث، صارت شيئًا مبتذلاً. هذا بند إضافيّ من القائمة الطويلة التي عنوانها: أشياء لابدّ من الاعتراف بها.

أتذكر مرّة أن وسمًا انتشر على موقع “تويتر”. كان موضوعه متعلّقًا بالذكريات. راح شباب غزّة يسردون، في 140 حرف أو أقل، مشاهد انطبعت في ذاكرتهم عن الحياة في المدينة التي أحبّها الشافعي. كنت أقرأ ما يكتبون وأرتعب. لم يكن ثمّة تغريدة واحدة تبعث على المفاجأة، كلّ شيء مشترك. أصناف الطعام، البرامج التلفزيونيّة، صوت المطر على سقف الاسبست، حفلات فنانيين عرب وإعلاناتها في ميدان السّاحة، كر وفر الأمن الوقائي وشباب حماس، شجرة عيد الميلاد في متنزّه الجندي المجهول، كلّ تفصيل دقيق يشاركك فيه عدد ضخم من النّاس. نحن عائلة واحدة، لا بالمعنى الوطني ولا الجغرافي، بل بالمعنى المباشر للكلمة: نحن عائلة واحدة توزّعت على بيوت كثيرة، سواء أعجبنا ذلك أم أصابنا برغبة في الهرب.

في الأشهر القليلة الفائتة، غادر كثيرون غزّة. ربما تكون صدفة أنني أعرف الكثير منهم، أنّهم من نفس فئتي العمريّة وأن وجهتهم في الأغلب بلد لا يتحدث العربيّة، بعضهم خرج للتعليم، بعضهم تزوّج وسيستقر في الخارج، بعضهم خرج للعمل، والبعض خرج من أجل الخروج. في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”، يقول ايلان بابه أن عدد المُهجّرين من فلسطين يربو على 700 ألف فلسطيني. السّوريون أيضًا صاروا لاجئين، غادر الآلاف منهم وتوزّعوا بين الأردن وتركيا ولبنان ومصر وبلدان مختلفة، العراقيّون نالوا نصيبهم أيضًا. المثير للسخرية أنّ أخبار الانتقال الجماعي ما عادت تحرّك شيئًا بعينه في داخلي. ربّما أتجرّأ وأقول أنّ رحيل فرد بعينه، بكلّ خصوصيّته، بكل غبائه وجماله، تدقّ أجراسًا في قصبتي الهوائيّة أكثر ما تفعل أخبار انتقال الآلاف قسرًا من أماكن تواجدهم. في زمن النزوج الجماعيّ والنكبات، لم نتعود على الرّاحلين طوعًا وفرادى. لم نتعوّد على دقّة الوجع المصاحب لذلك الرحيل، حزنٌ يمكن لي أن أشبهه بالألياف الضوئيّة، خفّة في الوزن وامتياز في الأداء.

لا أحكام عندي. لا قواطع ولا تأكيدات. لا ألوم من يقرر الرحيل إلى الأبد. لا ألوم من يقرر الغياب إلى أمد. لا ألوم من يشتم المدينة ويلعن دينها عشرات المرّات. لا ألوم من يعتبر أنّ عجزه عن احتضان حبيبته في الشّارع العام أكثر مركزيّة من الحديث عن الاحتلال . لا ألوم الباحثين عن الفرح، عن الدهشة، عن فسحة حريّة يمكن للفساتين فيها أن تتجلّى، وللآراء أن تُطرح، وللكتب أن تُشترى، وللأنخاب أن تعلو، وللذّات أن تتمدد تحت وقع المشاوير الطويلة. لا ألوم المسافرين أصحابي من غزّة، لا لأني أنا الآخر سافرت، بل لأنّي لا ألومهم. لست مستعدًا لاجتراع صراع وهميّ بينهم وبين الوطن، أو بينهم وبين الصمود والثبات والتحدّي. لست مستعدًا لاعطاء محاضرات ولا للتشكيك في الغاية والمراد. أنا فقط أشعر بالحزن حين يرحل أحدهم ويصير ثمّة مدة تقاس بالسنوات، لا بالأيام، يجب أن تمضي قبل لقائنا المقبل، وحديثنا المقبل عن الوطن، عن السياسة، عن غزّة وعن ما قصده أهل التاريخ واللغة حين قالوا أنّ معنى اسمها: «ما يُدّخر».


<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: