Posts Tagged ‘غزة’

عندما سألني الشرطيّ: مين البنت الي معك؟

June 11, 2013

محمود عمر

على كثرة التعدّيات على الحريّات الشخصيّة التي يقدم عليها أفراد من أجهزة أمنيّة تابعة لحكومة حماس التي تحكم قطاع غزّة (هذه تدوينة كتبتها علا عنان عن مجمل التعديات في العامين الفائتين)، وعلى القرب النسبيّ الذي أحاول الحفاظ عليه -رغم وجودي شبه الدائم بالقاهرة- مع تلك التصرّفات ودراسة انتشارها ومفاعيلها الاجتماعيّة لأغراض توثيقيّة ومعرفيّة، إلا أنّ التعرّض لواحد من تلك الأفعال والانتقال من حيّز «السماع عنها» إلى حيّز اختبارها اختبارًا ذاتيًا يفتح الباب أمام مقاربة سياسيّة مختلفة وشعور أعمق بالنقمة والغضب المغلّف بالازدراء. 

arton9179-9e284 (1)في رحلة غريبة ومكثّفة، قصيرة في زمنها، طويلة في آثارها، دخلت غزّة التي يبدو للوهلة الأولى أنّها ثابتة غير أنّها لا تزال تتغيّر (أو يجري تغييرها) ببطء وانتقائيّة. التغيّرات عديدة والمشاهدات يمكن الاسهاب فيها إلى ما لا نهاية. لكن، ما سيجري سرده في هذا المقال ما هو إلا توثيق وشهادة منّي أنا، الفلسطيني المولود في غزّة والمرتبط بها ارتباطًا لا فكاك منه، لما حدث معي عصر يوم  السّبت، الثامن من حزيران على كورنيش البحر. 

كنت متواجدًا في مطعم الديرة مع صديقة مقرّبة من غزّة وتمّ الاتفاق على أن نتحرك، معًا، إلى مطعم آخر يبعد عن الديرة مسافة لا تزيد عن 150م للاجتماع مع أصدقاء آخرين كانوا في انتظارنا. بعد دفع الحساب خرجت أنا وصديقتي إلى الشّارع العام (ركّز على كلمة «عام») ومشينا نحو المطعم الذي ينتظرنا فيه أصدقاؤنا. في العادة ولأسباب أمنيّة مفهومة تتواجد دوريّة مكونة من 5-6 أفراد بشكل شبه دائم في نقطة كاشفة في تلك المنطقة. بعد مروري وصديقتي أمام أفراد الشرطة الرابضين على الكراسي أشار لي أحدهم بالتوقف، قام من كرسيّه واقترب منّي وبدأ يتحدث إليّ. 

سؤاله الأوّل كان: «مين البنت الي معك؟». جوابي كان: صديقتي. الكلمة أثارت غضبه. ربّما لا يفهم هذا الموكل إليه مهمة «حفظ الأمن» أنّ الصداقة حالة انسانيّة يمكن لها أن تنشأ بين شاب وصبيّة. وجّه كلامه لصديقتي وسألها، بنبرة بطريركيّة مقيتة، إن كان والدها يعلم أنّها خرجت معي. طبيعة الأسئلة وطريقته في طرحها كانت كلها تدفع في اتجاه الاعتقاد بأننا، أنا والصبيّة، قد اقترفنا جريمة أخلاقيّة من الطراز الأوّل، في حين أننا كنا نمشي في الشارع العام! 

بعد أخذ ورد، وارتفاع صوتي وصوت الشرطي، ورفض صديقتي إعطاءه رقم والدها وشرحي له بأنني مقيم في مصر، بدأ  الشرطيّ يتحدث عن اصطحابي إلى مركز شرطة العبّاس القريب للتحقيق معي وعمل اللازم. عندما سألته: هل لأنني كسرت قانونًا أم أنّ هذا «فعل فردي» آخر؟ أجابني، وبكلّ برود: نعم، هذا فعل فردي و«هو هيك». الحادثة التي استمرّت قرابة 20 دقيقة دفعت كثيرين من المارين للتجمع حولنا. بعد قدوم بعض الأصدقاء من داخل المطعم الذي كانوا ينتظرونني وصديقتي فيه، وتدخّل بعض أبناء المنطقة، قرر الشرطيّ بأنه سيتركني في حال سبيلي هذه المرّة بعد أن حذرني قائلاً: ما تمشي في الشارع مع «بناتنا».  

من المنصف والموضوعيّ القول بأن ما حدث معي في ذلك اليوم من تعدّ صارخ على الحريّة الشخصيّة واساءة استخدام للزيّ الرسميّ والسلطة الممنوحة لصاحبه يمكن أن يحدث مع أيّ شحص آخر في غزّة، في أيّ وقت وأيّ مكان. في حالتي، ولأسباب متعددة، انتهى الأمر (بشقّه المباشر) في نفس اللحظة. في حالات أخرى سابقة، وربّما لاحقة، يجري اصطحاب الشاب فعلاً إلى مركز العبّاس الذي غالبًا ما يتعرّض فيه للضرب قبل إجباره على إحضار ولي أمره في حين تتعرّض الفتاة لتعنيف من نوع آخر عبر الاتصال بأهلها وإعطاءهم محاضرات حول سلوك ابنتهم المشين. 

في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتب مركز الميزان لحقوق الانسان في حيّ الرمال الغربي بغزّة وسردت على مسامع محامي المركز ما حدث معي وقدّمت شكوى وكّلته لمتابعة تطوراتها. الشكوى، بطبيعة الحال، سيجري العمل على رفعها إلى مكتب وزير الداخليّة. المحامي أكّد أن حالات مشابهة عديدة تقع في أنحاء القطاع وأنّ القلة القليلة التي تقرر اللجوء إلى مؤسسات حقوقيّة وطنيّة وتقدم شكوى سرعان ما تسحبها إما لعدم اقتناعها بجدواها أو خوفًا من أي اشتباك مطوّل مع السلطات في غزّة.

في معرض التحليل يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنّ هذه التصرفات التي يقدم عليها المنتسبون لأجهزة الحكومة الأمنية ما هي الا مخرجات متوقّعة لتصريحات وزير الداخليّة فتحي حمّاد التي أكد فيها أنّ غزة مدينة محافظة ولا مساومات في «منسوب الرجولة» فيها. هذه الأوامر غير المكتوبة وغير الرسمية يتلقفها أفراد الشرطة باعتبارها غطاءً سياسيًا يؤهلهم للتدخل في اللحظات التي يقررون هم فيها أنّ تدخلهم مطلوب سواء كان الأمر يتعلّق بشاب وفتاة يمشون في الشارع، أو تسريحة شعر، أو بنطال ضيّق. بديهيًا، ليس ثمّة أي غطاء قانوني لكلّ هذه التعديات (ولو كان فيجب إلغاؤه فورًا) والحالة القَبليّة التي تعيشها وزارة الداخلية في غزّة تضمن للشرطيّ مقترف الفعل النجاة دون أية محاسبة حقيقيّة. 

أمّا إدانة تلك التصرفات، واعتبارها فعلاً قمعيًا رجعيًا بامتياز، فيتفق على ذلك كثيرون، وإن بنسب مختلفة. من ضمن رافضي تلك التصرفات أبناء مخلصون لحركة المقاومة الاسلاميّة. إبّان حملة البناطيل الضيّقة وتسريحات الشعر كتب براء نزار ريّان على صفحته على الفيس بوك ما أيّدته الكاتبة المقربة من حماس لمى خاطر بأنّ الحملة غير المستندة على أي سند تشريعي ما هي إلا «جريمة يعاقب عليها القانون». واعتبر الغطاء القانوني، إن هو تواجد، «هبلاً وفضاوة». الرجل تحدّث بلغة متّزنة وكان لما كتبه أثر طيّب على نفوس كثيرين وأنا منهم. 

ما يجب أن تفهمه حماس، والحكومة التي تديرها حماس، هو أنّ أهل غزّة ليسوا رهائن ولا نسخ مكررة من قالب واحد. هذا المجموع الانسانيّ البديع الذي حوصر عامًا بعد الآخر كي يثور على حماس ويطلّق البندقية صبر وتحمّل وأبدع في محاربة الحصار، وانتصر على العالم بأسره، ومن انتصاره -انتصار الشعب- جاء انتصار حماس، لا العكس. لو كنت أنا قياديًا حمساويًا عاملاً في الحكومة لكان شاغلي اليوميّ هو كيف أدلّع هذا المجموع الانسانيّ وأردّ له الجميل. هذه التوليفة البشريّة الممتدة من رفح حتى بيت حانون، محزبين وغير محزبين، متدينين وغير متدينين، هذه التوليفة هي الانتصار الحقيقي والضمانة بأن تظلّ غزة شوكة في حلق كلّ من يخطط للاساءة لها أو لمن فيها. 

كتبت سابقًا، وأكتب اليوم، أنّ غزة التي وقفت في وجه العدوان الاسرائيليّ لا يمكنها أن تسقط في معركة الحريّات الشخصيّة، أقلّه دون قتال. الدعوة واجبة للجميع، لكلّ من يتعرض لفعل قعمي حكومي، أن يتوجه لأقرب مؤسسة حقوقيّة ويوثّق ما حدث معه ويبعث بشكوى. إن كان ذلك غير كافٍ (وهو بالفعل كذلك) فواجب علينا، جميعًا، التفكير في آلية أكثر نجاعة للتعامل مع هذه السلطويّة. لابدّ من معاقبة أفراد الشرطة الذين يتعدون على المساحة العامّة وعلى حق الفرد في الاختلاف.

ختامًا، سأقتبس ما كتبه بلال نزار ريّان وأضعه برسم كلّ أعضاء حماس، كل أعضاء حكومتها، وعلى رأسهم وزير الداخليّة الذي يبدو أنّه لا يقدّر قيمة الناس ولا يحترم اختلافهم. كتب بلال: لا أحب أن أعيش منفصمًا، أحبّ أن أعبر عن أفكاري بهدوء و أحترم كل مخالف؛ هذا خير لي من العيش مع النفاق و الانهزام الداخلي. الحريّة للأفكار. الحريّة للانسان.

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

March 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

عزيزتي حماس، بعضنا لا يريد دخول الجنّة.

January 24, 2013

محمود عمر

يقول المعلّم ميشيل فوكو أنّ أكثر الشعوب تحريمًا لشيء هي أكثرها هوسًا به. تبدو تلك العبارة إذا ما أضيف إليها ما يلزم من اعتبارات اجتماعيّة وسياسيّة مدخلاً ملائمًا لفهم ما وراء العديد من أفعال الحظر والمنع والتغطية التي حدثت وتحدث في الوطن العربي. ولأنّ الوطن العربي كبير، مساحةً ومفهومًا، فستحصر هذه المقالة مُبتغاها في تسليط الضوء على «تشكيلة» من الفعاليّات والقرارات التي اتخذتها حكومة حماس في قطاع غزّة أو التي شجّعت على اتخاذها، والتي يجمع بينها مرامها الذي يشمل القمع والتنميط والالغاء ودعوة المسلمين إلى الإسلام، ومحاولة تحليل تلك القرارات، والحض على رفضها وتغييرها وإن بالقلب؛ أضعف الإيمان.

arton10766-66e5dقبل الشروع في تناول تلك القرارات، باعتبارها عيّنة قابلة للدراسة، لابدّ من التنويه إلى أمرين لقطع الطريق على عشّاق الاستباقيّة وحرّاس الفضيلة الوطنيّة. الأمر الأوّل أنّ كاتب هذا المقال ليس مستشرقًا ولا يبتغي انتقاد سياسات الحكومة في غزّة كمحاولة التفافيّة لضرب حماس في صميمها؛ ميثاقها القائم على المقاومة. كاتب هذا المقال يؤيّد ويحب صاروخ حماس الذي انطلق من غزّة ليضرب تل أبيب. الأمر الثّاني أن الحجّة السمجة التي لا يملّ من البعض من تردادها، والقائمة على أنّ الحديث عن أمور من قبيل الحريّات الشخصيّة وحقوق الانسان ليست محلّ ترحاب إذا ما تعلّق الشأن بشعب يرزح تحت الاحتلال، انما هي حجّة قمعيّة (إن لم تكن فاشيّة) وتحمل في جوفها تباشيرًا بمزيد من القهر لشعب عنده ما يكفي من المنع والتقييد. لا يحق لأيٍّ كان أن يقول لفلسطينيّ في غزّة أن يمتنع عن التعبير عن استيائه ورفضه لمخرجات العقليّة الحمساويّة التي تحكم عمل حكومتها فقط لأنّ حماس مقاومة وبطلة وشوكة في حلق «الامبرياليّة». وبالمثل، لا يمكن التعامل مع الحكومة في غزّة باعتبارها حكومة عاديّة تحكم مجموعًا عاديًا من المواطنين. كلمة السر: الموازاة.

في جلسته المنعقدة يوم 13/11/2012 قام مجلس جامعة الأقصى بغزّة بإصدار قرار يلزم طالبات الجامعة بـ«اللباس الشرعي المنضبط» داخل الجامعة ابتداءً من الفصل الدراسي الثاني. القرار الذي صيغ في بيان وزّع ناشطون صوره على الشبكات الاجتماعيّة ليس تعديًا في نصّه وفحواه على الحريّة الشخصيّة فحسب، بل ويتضمن إجحافًا مركبًا بحق المرأة ويمدّ لسانه في وجه كل من هم يحلّقون خارج السرب. لا يوجَّه الحديث فيه إلى طالبات الجامعة، انطلاقًا من كونهن، كنساء، جزء أساسي فيها، بل إلى «بناتا الكريمات». فالمرأة حتّى وإن درست وتثقفت وتعلّمت ودخلت الجامعة ما هي، وفق أولئك، إلا أخت كريمة أو أمّ حنون. فلنتذكر أن قوائم الأسرى المفرج عنهم في صفقة التبادل الأخيرة التي رعتها حماس كانت تصف الجهة التي سيخرج إليها الأسير بـ«مدينته/بلدته الأصليّة»، في حين كان الوصف المستخدم للأسيرة المحررة: إلى البيت.

الأساس النفسي/الميثولوجي للقرار في سياقه القائم على اعتبار أنّ المرأة «عورة» لابدّ من التعامل معها بشكل أو بآخر هو نفس الأساس الذي يحكم العقليّة الاسلاميّة والخطاب الاسلامي المعاصر في عمومه: مرجعيّة النصوص، وأستاذيّة العالم. هناك آيات في القرآن تتحدث عن الجلاليب والحجاب، وهناك أوروبا بسافراتها وأمراضها المنقولة جنسيًا، القارة التي لا تريد شيئًا غير تدمير الاسلام والمسلمين، ولذلك فلابدّ من هكذا قرارات نحصّن بها أنفسنا. البيان، كما كَتبته ومن يقفون خلفه، لا يهتم بحقيقة أن العورة إنما هي مفهوم سيسيولوجي يختلف من حين إلى آخر ويعاد تشكيله في عملية تداخليّة مستمرّة، وأنّ لا جهة تحتكر حقّ التعريف والاجبار في هذا الاطار. والبيان إذ هو يعتبر أن «اللباس الشرعي المنضبط» يراد له أن يعكس «المنطق الديني لإسلامنا والحضاري لمجتمعنا» فإنما يلغي شطرًا واسعًا من تأويلات ذلك المنطق، وتجليّات تلك الحضارة.

ربّما يكون مفيدًا أن نورد في هذا المقام ما قاله الإمام الراحل محمّد عبده عن مسألة الحجاب واللباس الشرعي، لعلّ أولئك يدركون أنّ الاسلام ليس ورثة ورثوها، وأنّ «بناتهم الكريمات» لسن أوعية حمل ومضاجعة: «والحقّ أن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الاسلاميّة لا للتعبد ولا للأدب، بل هما من العادات السابقة على الإسلام والباقية بعده، يدلّنا على ذلك أن العادة ليست معروفة في كثير من البلاد الاسلاميّة». من نافل القول أنّ اشارتنا إلى تأويلات مغايرة لما هو سائد من المدارس الفقهيّة الاسلاميّة، ومحاول ابراز نصوص مغايرة، والاستعانة بأئمّة من معسكر الحداثة، لا تعني أبدًا إسقاط المنطلق الفكري بأنّ كل ما تمّ الجود به في هذا الاطار يخضع بالضرورة والقطع للسياق التاريخي الذي جاءت فيه نصوص القرآن وأحاديث النبي، وطبيعة العصر الذي نعيش فيه اليوم.

وعلى نفس اللحن والمقام، تعزف وزارة الأوقاف التابعة لحماس. إذ قررت دائرة الأوقاف في المحافظة الوسطى قبل عدّة أيام الشروع في حملة توعويّة تهدف إلى «ترسيخ الفضيلة» وتستهدف الشباب من الجنسين للحد من مظاهر كالبنطلون «الساحل» وطريقة معيّنة من طرق ربط الحجاب. الواعظ نور عيد قال لإذاعة الأقصى متحدثًا عن الحملة: «لابدّ من تحديد الحلال والحرام في مسألة الملابس». نور عيد لابدّ سيكون سعيدًا لو تمّ إصدار كاتلوج يتضمن صورًا ورسومًا بيانيّة لما هو «حلال» وما هو «حرام» وفق فتاوى وخيال رجال دين السلطة الحاكمة الضحل. المختص بعلم الاجتماع قال أن «تلك الملابس صورة من صور الغزو الثقافي». يفترض الاسلاميّون، كما فعل كبيرهم سيّد قطب، أن أوروبا هي ما لدى التقدميين والعلمانيين العرب كي يقدموه، ولذلك فلابدّ من شيطنة تلك البلاد وكل ما هو قائم منها، رغم أنّ الاسلاميين أنفسهم إذا ما أرادوا إثبات حلاوة الاسلام وجماله إنما يشيرون إلى أنّه سبق «أوروبا» في إعطاء المرأة حقوقها والدفع باتجاه المساواة.

حملة ترسيخ الفضيلة التي هي «سلميّة» من حيث مظهرها ليست سلميّة في مضمونها على الاطلاق. نحن لا نتحدث هنا عمّا هو خطير بتوافق جمعي كالمخدرات، بل عن شأن شخصي بحت، ألا وهو المظهر الخارجي. هل يمكن لحماس أن تتقبّل حملة «سلميّة» تنصح بحلق اللحية لما لها من مظهر منفّر ولما تتسبب به من إعاقات عند الأكل؟ هل يمكن لها أن تتقبل حملة «سلميّة» للتعريف بحقوق المثليين؟ الاجابة معروفة وما «تنصح» به السلطة الحاكمة اليوم، ستغريها أدواتها غدًا لفرضه بالقوّة.

يمكن على سبيل التلخيص الاشارة إلى عديد من القرارات التي اتخذتها حماس منذ سيطرتها التامة على قطاع غزّة عام 2007 وحتى اليوم. بعض تلك القرارات أُعلن وجرى اتخاذه ضمن أروقة الحكم الحمساوي الرسميّة، وبعضها الآخر كان قرارًا غير مكتوب، إنما هو وحي يوحى. من تلك القرارات فرض الزي الشرعي المنضبط في المدراس الثانويّة الحكوميّة، وفرض الزي الشرعي على المحاميات وعلى زائرات المحاكم الشرعيّة، والقرار الغير مكتوب بالحد –إن لم يكن منع- كل مظاهر الاختلاط في الفضاء العام. داهمت قوّة حمساويّة تجمعًا مختلطًا لواحدة من فعاليّات احتفاليّة فلسطين للأدب العام الفائت وحاولت فضّها، في حين قطعت النور عن فعاليّة أخرى لأنّ الحابل بها اختلط بالنابل وجلس الشباب إلى جوار البنات يستمعون مستمتعين ومتحمّسين وفخورين بهذا الشرخ في جدار ما هو ممنوع وغير مستحب إلى ما لدى فرقة اسكندريلا المصريّة لتقوله.

قالت الناشطة الفلسطينيّة إباء رزق في مقابلتها على القناة الاسرائيليّة الثانية إبّان عدوان عامود السحاب: في أوقات كهذه، غزّة هي حماس، وحماس هي غزّة. من المهم اليوم وقد عادت التعدّيات الاسرائيلية إلى شكلها الناعم وصار حديثنا داخليًا يزعج بعض الفلسطينيين ويرضي بعضهم، من المهم أن نقول أنّ غزّة ليست حماس، وحماس ليست غزّة. غزّة التي كان فيها أكثر من سبع دور سينما قبل النكبة، وتحوي اليوم زاوية للصوفيين، وتتردد أحاديث عن اعتناق أقليّة من سكانها للمذهب الشيعي، ناهيك عن أن لفيفًا واسعًا من ناسها لا يحبّ التديّن أصلاً، لا يمكن لها أن تسقط في معركة الحريّات التي هي واحدة من معارك الحرب مع الاسلاميين معتدلين كانوا أم متشددين، لا يمكن لها أن تسقط في تلك المعركة دون “مقاومة”، ويا حبّذا لو انتصرت.

عزيزتي حماس، بعضنا لا يريد دخول الجنّة عبر الطريق الذي ترسمين أنتِ معالمه. بعضنا يمتلك ما يلزم من الوعي كي يقول للحكومة: لا أريد لكِ أن تحددي لي كيف أعيش حياتي. بعضنا «بيقاوم إسرائيل وبيشرب كاس»، وبعضنا يحلم ويسعى نحو مجتمع متصالح مع ذاته، مجتمع مفتوح على الممكن والابداع حيث يتجاور المسجد والمسرح والبار دون أدنى مشكلة، والله الموفق والمستعان.

نزع القداسة عن المقاوم الفلسطيني: عبدالله البرغوثي نموذجًا.

January 6, 2013

محمود عمر

علينا كفلسطينيين أن ندرك أن محاولاتنا لتغيير واقعنا، عبر المقاومة، لا أفق حقيقي لها ما لم تترافق مع تبدّلات نقديّة فينا نحن، في وعينا، وفي السياق الذي نقرر أن نضع فيه مسألتنا الوطنيّة. لا يمكن لفلسطيني سلفي (بالمعنى الوطني للسلفيّة) أن ينجح فعلاً في تقصير عمر احتلال ذكي ومتمرّس كالاحتلال الاسرائيلي. إنّ حلبة المواجهة الأولى بين الفلسطيني ومحتلّه هي حلبة الفكر، ولهذا فإنّ العقل الفلسطيني مطالبٌ باعتناق مذهب يمكنه من التفوّق، بالدرجة الأولى، على المنظومة الفكريّة التي تحكم سير العمليّات في الدولة القائمة على ساحل فلسطين المحتل. ستّة عقود من عمر القضية كانت كفيلة بأن يتراكم الكثير من الغبار على العقليّة الفلسطينيّة التي وقعت ولا تزال في براثن الطوبى، ويسير بسبب منتجاتها كثيرٌ منّا إلى جهنم سالكًا الطريق المحفوف بالنوايا الحسنة.


عبد الله البرغوثيتعمل تلك العقليّة، الواجب تشريحها تمهيدًا لتغييرها، وفق آليّات من أهمها الإقحام في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة. بسبب تلك العقليّة، يعتبر كثير منّا أن «الثورة الفلسطينيّة» انتصرت في حصار بيروت 1982، وأنّ «المقاومة الفلسطينيّة» انتصرت في عدوان الرصاص المصبوب على قطاع غزّة عام 2009. يقدّم المدافعون عن ذلك المنهاج قصصًا تكاد تكون خياليّة عن البطولة، والفداء، لتقوّي موقفهم، وتقنع المزيد من الفلسطينيين، لاسيّما من الأجيال الجديدة، بأننا نسير من نصر إلى نصر، وأننا شعب جبّارين يمارس «حياته الطبيعيّة» رغم القصف. المقاوم الفلسطيني، باعتباره حجر الزاوية، يخضع في إطار هذه المنظومة الفكريّة/المجتمعيّة لعمليّات تشذيب على كافة الأصعدة، كي يتم تقديمه لاحقًا على أنّه بلا أخطاء، خارق للعادة، وأنّ نضاله كفل له هالة من القداسة لا يجب أن يفكر أحدٌ في الاقتراب منها.

عبد الله البرغوثي، الأسير الفلسطيني المحكوم 67 مؤبدًا و5200 عامًا وصاحب أكبر ملف أمني لدى إسرائيل، هو واحد من أولئك المقاومين الذي جرى ويجري إدخالهم في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة عليهم، دون سابق إذن أو إنذار. ولد البرغوثي في الكويت قبل أن ينتقل وأسرته إلى عمّان. سافر من عمّان إلى كوريا الجنوبيّة بحثًا عن وظيفة، فعمل في مصنع للميكانيك ودرس في إحدى المعاهد الهندسيّة هناك. خلال إقامته في كوريا تمكن من دخول عالم الانترنت الذي أتاح له فرصة التعرّف على آليات صنع المتفجرات والأحزمة الناسفة، وخبايا العالم الرقمي وطرق اختراق شبكات الاتصالات والهواتف النقالة. تزوّج فتاة كوريّة تدعى «مي سن» قبل أن يطلقها لأنّها لا تنجب إبّان عودته إلى عمّان. بعد سنين قليلة، كان عبد الله البرغوثي من أهم المطلوبين لإسرائيل في الضفة الغربية لتخطيطه وإشرافه المباشر على عدّة عمليات قام فيها شبان فلسطينيّون بتفجير أنفسهم في داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كان من بينها عمليّة مطعم سبارو في القدس، ومقهى مومنت في تل أبيب.

يملك عبدالله البرغوثي كلّ ما يمكنه من أن يكون، في نظر البعض الفلسطيني، خطًا أحمرًا، ورجلاً من غير هذا الزمان. تمكّن من إدارة عمليّات كتائب القسام في الضفة الغربيّة بحنكة وعبقريّة، ونجح غير مرّة في إختراق المنظومة الأمنيّة الاسرائيليّة ورديفتها لدى أجهزة عرفات/عبّاس الأمنيّة. لكنّ البرغوثي أيضًا، ولسوء حظ مدمني الأفيون الوطني، قام مؤخرًا بإنهاء مذكراته داخل عزله في سجن ريمون، قبل أن يتم نشرها خارج السجن. المذكرات التي تحمل اسم «أمير الظل .. مهندس على الطريق» تقدّم الأدوات، والمشاهدات، التي تمكّن مَن يرغب في إعادة النظر في طريقة التعامل مع الفعل المقاوم، والفلسطيني المقاوم، من أن يفعل ذلك مطمنًا إلى سدادة رأيه، وصلابة حجّته.

تقدم تلك المذكرات، رديئة الأسلوب، فرصة ذهبيّة للاطلاع على خبايا العمل المقاوم في الضفة الغربية ما بين الأعوام 2000 إلى 2003. من خلال قصة عبدالله البرغوثي التي يرويها في حديث موجّه بالأساس إلى ابنته تالا، يدرك القارئ أن الأشياء ليست كما تبدو، حتى وإن كانت تلك الأشياء ذات طابع يشتبك مع الاحتلال الصهيوني. يرتسم أمام أعيننا مع كل صفحة عبدالله البرغوثي مغاير لعبدالله البرغوثي الذي تكتب عنه الأخبار، وتروى عنه القصص. يرتسم أمام أعيننا عبدالله البرغوثي الذي اشترط على أمّه، بعد تطليقه زوجته الكورية، بأن تكون الزوجة الجديدة فلسطينية، برغوثيّة، متعلمة، ولا ترغب في العمل؛ كي تربّي الأطفال، وأن يكون والدها هو رجل المنزل لا أمها، فهو لا يريد «زوجة قويّة تحول حياته إلى جحيم». إذًا، نحن أمام رجل عربي تقليدي، بعقليّة ذكوريّة.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

ليس هذا وحسب، إذ يزيّن البرغوثي مذكراته بإيراد مقتطفات يسمّيها هو «شعريّة» ليصف بها مشاهداته في الضفة، وما يختلج صدره من غضب تجاه الاحتلال، وحبّ لفلسطين. يصف القدس بعد زيارته الأولى لها، في أبيات شعريّة حامت حوله «كأنها سرب من الصقور»: في القدس ما عاد للانتظار مكان / في القدس ما عاد بالامكان انسان / في القدس غرست أنياب الطغيان / في القدس غرس الصهاينة والاستيطان / في القدس ما عاد للحجارة ثمن / في القدس ما عاد يسمع صوت الأذان» .. إلى آخر «القصيدة». ويقول في موضع آخر واصفًا رام الله: «رام الله قومي استيقظي أرجوكِ / وأيقظي كلّ من أحبوكِ / أحزينة أنتِ فأبكوكِ؟ / على الشهداء الذين ودعوكِ؟ / وتحالفوا مع المحتل فبالظهر طعنوكِ؟ / رام الله قومي استيقظي أرجوكِ!». من نافل القول، طبعًا، أنّ الجمل السابقة، والتي تتلبّس تجنيًا لبوس الشعر، ليست من الشعر في شيء، بل هي رديئة بمقاييس النثر العادي. إذًا، عبد الله البرغوثي ليس رجلاً عربيًا ذكوريًا فحسب، بل و يكتب خواطرًا تشبه خواطر فتاة في الثانية عشرة من عمرها كذلك.

يورد عبدالله البرغوثي نفسه، عن غير قصد على الأغلب، مزيدًا من تجاربه التي تؤكّد أن الطوبى لا مكان لها في الأرض المحتلّة، وأن ما حدث ليس فعلاً كما تابعنا على الأخبار. يروي في مذكراته عن شاب فلسطيني قدم إليه طلبًا للشهادة، فقام عبدالله البرغوثي بتجهيزه بالحزام الناسف، قبل أن يغيّر رأيه ويمنعه من التوجه إلى داخل الخط الأخضر، بعد أن صمت الشاب ولم يجب على سؤال «لماذا تريد أن تستشهد؟». يشرح البرغوثي أنّ الشاب، والذي خضع للتحقيق عند «الأمن القسّامي»، كان انما يريد أن يستشهد حتى يمحي جرم والده، الذي كان عميلاً، فلا يقال عنه وعن أهله أنهم «أبناء العميل»، بل «أهل الشهيد». لم يفجّر ذلك الشاب نفسه بعد أن منع البرغوثي تجهيزه وطلب منه العودة، لكنّه قتل لاحقًا بعد أن قام بشراء مسدس وتوجه إلى أقرب نقطة اشتباك مع الجنود الاسرائيليين. قصّة أخرى كانت عن إمرأة أردت هي الأخرى أن تستشهد، وما ذلك إلا لأنها لا تنجب أطفالاً. صفعها عبدالله البرغوثي وأعادها، ومن ثمّ طلب من استشهادي آخر، أن يدعو الله لها، حين يصعد إلى الجنة، بأن تنجب أطفالاً. يذكر البرغوثي أنّها أنجبت لاحقًا ثلاثة أطفال سمّت ثالثهم عبدالله!

قد يعتقد البعض أنّ هذه المقاربة لشخص المقاوم الفلسطيني (عبدالله البرغوثي نموذجًا)، أو لفكرة الفعل المقاوم في حدّ ذاته، انما هي مقاربة وقحة تتجرأ على نضالات الكثيرين. لا يبخّس كاتب هذه الأسطر من قدر المقاومين والمقاومات، يدرك جيدًا أنّهم ضحّوا كثيرًا، وأنهم أفضل منه بكثير على المقياس الوطني، وأنّ الوضع الفلسطيني كان ليكون أسوأ بمراحل لولا وقفتهم في وجه المشروع الصهيوني، لكنّه يحاول القول، بكل هدوء، أنّهم بشر عاديّون، وأنّ فلسطين الحرّة هي فلسطين العاديّة، والتي سينجز تحرريها العاديّون، وأن لا شيء فوق النقد، لا الأفكار، ولا الأشخاص. فليبحث من يريد «شعبًا جبّارًا» عن شعب آخر، وليشتري من يصوّر لنا المقاومين الفلسطينيين على أنّهم أساطير و super men كتبًا عن الميثولوجيا الإغريقية ويتركنا نقارب اضطرارنا إلى المقاومة، ونبحث في طرق إشباع نهمنا إلى أفق بلا أسلاك شائكة.

تنتهي المذكرات أن يبدي عبدالله البرغوثي خيبته من استمرار سجنه بعد صفقة التبادل التي أبرمتها حماس مع السلطات الاسرائيليّة. جديرٌ بالذكر أن عبدالله البرغوثي خرج من العزل الانفرادي بعد اضراب الأسرى الجماعي الأخير عن الطعام، وفق الاتفاق الذي وقّعته قيادة الاضراب الموحدة مع مصلحة السجون. إنّه فلسطيني آخر عادي، قاوم إسرائيل على طريقته، وأبدع في ذلك، لا أكثر ولا أقل.

غزّة باعتبارها مدينة بائسة، والغزّيون باعتبارهم أصحابي.

October 13, 2012

في موسوعته «معجم البلدان»، يقول ياقوت الحموي عن معنى الاسم: «غزّ فلان بفن واغتزّ به إذا اختصّه من بين أصحابه.» ورجّح آخرون منهم مصطفى الدبّاغ أنها بمعنى: قوى ومخازن وكنوز و«ما يُدّخر». المدينة التي سمّاها المصريّون «غازاتو» وشعر الآشوريون بشيء ما حميمي تجاها فنادوها «عزاتي» مدينة شرسة منذ القدم. في العام 332 قبل الميلاد هاجمها الاسكندر المقدوني فاستعصت عليه، وآثر قائدها “باش” القتال على تسليم المدينة. اشتدّ الحصار وقاوم الغزيّون ببسالة حتى وصل بهم الأمر أن جرحوا الاسكندر المقدونيّ باحدى حرباتهم فجنّ جنونه وانسحب مضمرًا عزمه على اقتحام المدينة في جولة ثانية راح يستعدّ وجيشه لها أيّما استعداد. بعد عودته هاجمها أربع مرّات حتى دخل، وأعمل فيها السيف وذبح فيها خلقًا كثيرًا، لكنّه أمر باعادة اعمارها وجعل بعض اليونانيين يقيمون فيها، هكذا إلى أن مات واقتتل عليها الورثة من بعده، وكانت الغلبة للجانب المصريّ الذي يقوده “بطليموس” حتى اذا ما كبر “انتيغونوس” واشتدّ عوده حتى عاد فأخرج بطليموس منها وآلت سيادتها وكل مدن الساحل له ولمن معه. هذه اللمحة من تاريخ المدينة تتكرر بايقاع ثابت، فقبل اليونانيين كانت سيوف الفراعنة والهيكسوس والآشوريين والبابليين والفرس، وبعدهم الرومان والعرب المسلمون والصليبيون والمماليك والعثمانيون والانجليز الذين رحلوا وما رحلوا. يمكن أن نقول، بكلمات مختصرة ومعبّرة : تاريخ غزّة معركة دائمة يتخللها بعض الهدوء.

اليوم، في عصر السوق التجاري والفيزون والآيفون وعشرات آلاف القتلى الذين يتكدّسون في شريط أخبار لا يزيد عرضه عن بضعة سنتميترات مضيئة في أسفل الشاشة، في العصر الذي قال هنري ميللر عن وسائل الترفيه فيه أنها «ليست سوى عكازات أصابتنا بالشلل»، ماذا يمكن للمرء أن يقول عن تلك “اللطخة” الجغرافيّة الجالسة بحشمة على شاطئ المتوسّط؟ هل أفتح صفحة جديدة في نفس الكتاب القديم الجديد، أم أمزّق كل شيء وأقول ما أريد أن أقوله، انطلاقًا من هذه اللحظة؟. الأكيد أن غزّة كقطعة علكة مضغتها إمرأة في منتصف الثلاثينات حتى العصر قبل أن تبصقها في شارع مزدحم فداستها باصات النقل العام غير مرّة قبل أن يأتي عامل نظافة بزيّ كئيب في آخر الليل ويكنس الأرض من حولها، وتظلّ هي ملتصقة بمصيرها البائس. الأكيد أنّ غزة، كموضوع للحديث، صارت شيئًا مبتذلاً. هذا بند إضافيّ من القائمة الطويلة التي عنوانها: أشياء لابدّ من الاعتراف بها.

أتذكر مرّة أن وسمًا انتشر على موقع “تويتر”. كان موضوعه متعلّقًا بالذكريات. راح شباب غزّة يسردون، في 140 حرف أو أقل، مشاهد انطبعت في ذاكرتهم عن الحياة في المدينة التي أحبّها الشافعي. كنت أقرأ ما يكتبون وأرتعب. لم يكن ثمّة تغريدة واحدة تبعث على المفاجأة، كلّ شيء مشترك. أصناف الطعام، البرامج التلفزيونيّة، صوت المطر على سقف الاسبست، حفلات فنانيين عرب وإعلاناتها في ميدان السّاحة، كر وفر الأمن الوقائي وشباب حماس، شجرة عيد الميلاد في متنزّه الجندي المجهول، كلّ تفصيل دقيق يشاركك فيه عدد ضخم من النّاس. نحن عائلة واحدة، لا بالمعنى الوطني ولا الجغرافي، بل بالمعنى المباشر للكلمة: نحن عائلة واحدة توزّعت على بيوت كثيرة، سواء أعجبنا ذلك أم أصابنا برغبة في الهرب.

في الأشهر القليلة الفائتة، غادر كثيرون غزّة. ربما تكون صدفة أنني أعرف الكثير منهم، أنّهم من نفس فئتي العمريّة وأن وجهتهم في الأغلب بلد لا يتحدث العربيّة، بعضهم خرج للتعليم، بعضهم تزوّج وسيستقر في الخارج، بعضهم خرج للعمل، والبعض خرج من أجل الخروج. في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”، يقول ايلان بابه أن عدد المُهجّرين من فلسطين يربو على 700 ألف فلسطيني. السّوريون أيضًا صاروا لاجئين، غادر الآلاف منهم وتوزّعوا بين الأردن وتركيا ولبنان ومصر وبلدان مختلفة، العراقيّون نالوا نصيبهم أيضًا. المثير للسخرية أنّ أخبار الانتقال الجماعي ما عادت تحرّك شيئًا بعينه في داخلي. ربّما أتجرّأ وأقول أنّ رحيل فرد بعينه، بكلّ خصوصيّته، بكل غبائه وجماله، تدقّ أجراسًا في قصبتي الهوائيّة أكثر ما تفعل أخبار انتقال الآلاف قسرًا من أماكن تواجدهم. في زمن النزوج الجماعيّ والنكبات، لم نتعود على الرّاحلين طوعًا وفرادى. لم نتعوّد على دقّة الوجع المصاحب لذلك الرحيل، حزنٌ يمكن لي أن أشبهه بالألياف الضوئيّة، خفّة في الوزن وامتياز في الأداء.

لا أحكام عندي. لا قواطع ولا تأكيدات. لا ألوم من يقرر الرحيل إلى الأبد. لا ألوم من يقرر الغياب إلى أمد. لا ألوم من يشتم المدينة ويلعن دينها عشرات المرّات. لا ألوم من يعتبر أنّ عجزه عن احتضان حبيبته في الشّارع العام أكثر مركزيّة من الحديث عن الاحتلال . لا ألوم الباحثين عن الفرح، عن الدهشة، عن فسحة حريّة يمكن للفساتين فيها أن تتجلّى، وللآراء أن تُطرح، وللكتب أن تُشترى، وللأنخاب أن تعلو، وللذّات أن تتمدد تحت وقع المشاوير الطويلة. لا ألوم المسافرين أصحابي من غزّة، لا لأني أنا الآخر سافرت، بل لأنّي لا ألومهم. لست مستعدًا لاجتراع صراع وهميّ بينهم وبين الوطن، أو بينهم وبين الصمود والثبات والتحدّي. لست مستعدًا لاعطاء محاضرات ولا للتشكيك في الغاية والمراد. أنا فقط أشعر بالحزن حين يرحل أحدهم ويصير ثمّة مدة تقاس بالسنوات، لا بالأيام، يجب أن تمضي قبل لقائنا المقبل، وحديثنا المقبل عن الوطن، عن السياسة، عن غزّة وعن ما قصده أهل التاريخ واللغة حين قالوا أنّ معنى اسمها: «ما يُدّخر».


%d bloggers like this: