Posts Tagged ‘سيرة لاجئ’

الإنتفاضة: الشّعب الفلسطيني ما يموتش.

ديسمبر 9, 2011
في البدء كان الحجر.

في البدء كان الحجر.

أنا واحد من الذين ولدتهم أمّهاتهم أثناء حظر للتجوّل. أنتمي لجيل كان لا يزال يتعلّم كيف تنتصب القامة، ويكون المشي سليمًا لا ترنّح فيه، في الوقت الذي كانت فيه “القيادة” قد أتقنت فنون الزحف. ثلاثون شهرًا كان قد مضى على وجودي في هذا العالم عندما صافح ياسر عرفات إسحاق رابين معلنًا إنهاء الانتفاضة، ثلاثون شهرًا لم أكن أستطع خلالها أن أوزّع منشورًا، أو أن أكتب على حائط، أو أن أقذف جيبًا عسكريًا بالمولوتوف. كنت مشاركًا بصمت، كنت الخطة ب، أحد الذين لم يعايشوا الانتفاضة لكنّهم ما أن بلغوا سنّ الحنين الواعي حتى انكبوا على الكتب والملصقات، أصغوا بأذن شغوفة إلى مقابر الشهداء، سألوا البعيد قبل القريب، ودوّنوا ما حصّلوه من علوم ودموع في أقصى يسار الذاكرة، وهمسوا في أذن طموحهم: كلُّه سيلزم. اليوم، في الذكرى الرابعة والعشرين لانتفاضة الحجر، لا زال ذلك الكلُّ يلزم، ولا زال ذلك الكلُّ عصريًا ومعاصرًا، بل وربّما كان مُلحًا.

كيف لا يكون مُلحًا اليوم، وعشرات المنظمات والهيئات وأشباه المثقفين يزرعون في حقل الوعي الفلسطيني سمومًا على سبيل “بدنا نعيش”، أن نستحضر قول طفل في الخامسة عشرة من عمره، من مخيّم الدهيشة في بيت لحم، حين قال: “ما دام هنالك احتلال فنحن لا نملك حياة خاصّة”. إن هذه الجملة، على بساطتها، لموغلة في فهم الاحتلال ومعناه، ولقادرة لوحدها،بمفرداتها البسيطة، على أن تهدم كلّ ما بنوه من مجمعات تجاريّة تبيع النّاس اغترابًا، وصروح ثقافيّة شعارها الأوحد تشويه الثقافة.

(more…)

من لا يشكر التحرير لا يشكر الله.

نوفمبر 23, 2011

شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم،  ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم  ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.

شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح  حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.

شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.

حالة نبوّة.

حالة نبوّة.

(more…)

أسرانا البواسل, عن الشّفقة والحسد “والفرح” أحدّثكم.

أكتوبر 11, 2011

اسمعوا، أنا لا أحب الموت. أنا احبّ أبنائي, وأتمنى أن اعيش ويفرج عني لأعانق فتحيّة وحاتم وأحيا مع زوجتي ونربيهم معًا. لكنني لا أخاف الموت، ولن أجبن، وسأخوض المعركة معكم . اليوم تتجلى الحياة في رفض العبودية. هذه معركة مفروضة وسأشارك فيها حتى آخر نقطة من دمي.

أشرقت شمس 5/7/1970. اخترق نورها شقوق لوح الصّاج الذي يغطي نوافذ غرف سجن عسقلان. إنّه يوم التحدي وثاني يوم إضراب في تاريخ إضرابات الأسرى الفلسطينيين المفتوحة عن الطعام, فقد جرى أول إضراب في سجن الرملة في سنة 1969، ودام أحد عشر يومًا. الساعة السادسة والنصف صباحًا. تقدم ضابط العدد الاسرائيلي موشيه وناوله أحد الأسرى قائمة بمطالبهم كُتبت على ورقة علبة سجائر, فالدفاتر لم تكن تدخل السجن بعد. قرأ موشيه قائمة المطالب, وانطلق يسأل الأسرى في غرفهم: – مش عايزين تاكلوا. – لا لنا مطالب.- حتاكلوا بالقوة.


(more…)

الحارس في حقل الشّوفان.

أكتوبر 2, 2011
J. D. Salinger

J. D. Salinger

من الطبيعي أن تكون هذه، بطابعها العدائي، واحدة من الصور القليلة المتوفّرة لابن الزانية سالنجر على شبكة الانترنت. شخص يكتب رواية مثل «الحارس في حقل الشّوفان», كيف ستُلتقط له صورة؟ متمددًا بالقرب من أحد شواطئ هاواي يتناول شرابه من جوزة هند؟ جالسًا في أحد المقاهي الثقافة في نيويورك؟ لا طبعًا. ستُلتقط صورته وهو يحاول أن يلعن شرف المصوّر الذي، كما كلّ المصورّين، يحاول حبسه في إطار إلى آخر أيام الوجود على سطح هذا الكوكب البائس. حُبس في الإطار نعم، لكنّه حبس بعيدًا عن الماكياج والكلام الرث، حبس حقيقيًّا وحرًّا.

سالنجر، الروائيّ الأميركي الذي فارق الحياة يوم السّابع والعشرين من يناير من العام الفائت, لايملك في رصيده من الأعمال المنشورة سوى بضعة قصص قصيرة نشرت أغلبها في «النيويوركر»، روايات أخرى قليلة لا أعرف عنها شيئًا لعدم ترجمتها إلى العربيّة، ورواية لا أبالغ حين أقول أنها هزّت العالم، وهزّته شخصيًا، فانزوى بعد نشره إيّاها واشترى عام 1953 بيتا في منطقة كورنيش، في نيو هامبشاير، واختار العيش في عزلة، ولم يتعامل مع أي كائن بشري يملك قضيبًا، وحدهن النساء كنّ يدخلن حياته ويخرجن منها الواحدة تلو الأخرى. الحارس في حقل الشّوفان، المنشورة له عام 1951، بيع منها أكثر من 65 مليون نسخة، ولا تزال تحتفظ بمكانتها إلى لحظة كتابة هذه التدوينة اللعينة.

(more…)

تدوينة على باب سفارة إسرائيل.

سبتمبر 10, 2011

يا معاول الدنيِّ الفقيري يا نسور / عم ترمح بهالجوّ وتقفش النور*

كتبت في مكان ما، مكان لن أخبركم أين يقع، أنّ الكتابة عن الثورة المصريّة لا تزال مصنّفةً بالنسبة لي تحت بند «ليس بعد»، فرغم أنّي أعيش في مصر ولست بعيدًا عن كل ما يحصل فيها، إلّا أنّ ما رأيته وعشته وسمعته، بلا ديباجات وكلام معسول وتزويق للحكي، يحتاج سنينًا من التخمير والتقطير والذوبان الهادئ كقطعة سكّر في فنجان قهوة، ليعطى حقّه إذ يتحول حبرًا على ورق. الكتابة أمانة، هكذا أراها، وحين يتعلق الأمر بثورة مصر، فالأمانة تصير أشدّ قداسةً وأكثر إيغالاً في جلد اللغة. ولذا، فهذه التدوينة، المكتوبة ذهنيَّا، على باب سفارة إسرائيل، ليست «كتابة» عن الثورة المصريّة بقدر ما هي أغنية، وتعلمون أنتم كم تضيق الروح أحيانًا، على رحابتها، بأغنية جميلة. (more…)