والنسيان، كما أظنّه قصده، هو ذاك الذي يتسلل، لا الذي يتم إدخاله عمدًا، إلى بيوت الذاكرة. النسيان العادي، الناعم، الذي لا يملك أجندات خارجيّة. ومع ذلك فهو في رأي الراحل الأديب، ورأيي المتواضع، آفة ومصيبة سودة. فما بالكم بنسيان متعمّد، بمنظومة كاملة يُراد بها شطب الذاكرة وجعل النسيان إدمانًا وصلاةً تُقرّب المواظب عليها إلى قلب الحاكم وفردوس “الواقعية السياسية”، منظومة يأتيها الدعم من أقصى شمال أوروبا ومن بلاد النفط. تختلف العناوين والغرض واحد: النسيان المعتمّد وخلق جيل لا يملك مساحة في التّاريخ، ولا يجرؤ على أن يضع اصبعه في عين المستقبل، جيل لا يعلم أن الفارق بين البندقيّة والوردة فارق توقيت لا أكثر. بماذا يوصف ذاك النوع من النسيان الذي يراد لنا أن نمارسه؟ النسيان الذي سيعمينا عن بوستر كهذا طبع قبل حتى يفكر الهبيلة أبو مازن في كل هذه الدوشة إزاء ايلول ويزمّر له الحالمون بدولة جيب الكنغر. أعتقد أن بئرًا من الخراء ليترفّع ويرفض بكل قواه الخرائيّة أن يشبّه به، فهو نسيان الاتفاقيّات، والعناوين المبدّلة، والنصف موقف، والربع محاولة. ولذا؛ هذه محاولة صادقة للضغط في الإتجاه الآخر، في إتجاه الذاكرة، في إتجاه البعد عن الآفة، ونحو حارة أفضل.
قبل ثلاثة عقود من الآن، وفي مثل هذه الساعات من صباح الخامس عشر من آذار، كان وفدٌ من منظمة التحرير الفلسطينيّة يدق باب بيت سعيد المغربي في حيّ الطريق الجديدة في بيروت، حاملاً معه وصيَّة مكتوبةً باللون الأحمر، ووعودًا لا تُنكث، إن أخلف بها البعض، تلقفها البعض الآخر عازمًا على تحقيقها كاملةً كاستدارة بدر في منتصف سماء العاشقين. فُتح الباب وفُتح القلب، وقرأ سعيد المغربي وصيّة ابنته الشهيدة دلال، مسح ما تستطيع كفّه الوصول إليه من دموع، وترك الباقي منها يسقط بصمت في عيونٍ داخليّة. “لا تذرف دمعًا كثيرًا؛ فلقد صرت بنتًا للبلاد” بهذا ختمت دلال وصيّتها لأبيها، وكتبت في الباقي من الرسالة، بعبقرية فتاة من يافا، مولودة في صبرا، ما لا يمكن لنا أن نخونه، أو نلتفّ حوله؛ ذلك أنّ وصيّة الشهيد هي طلقته الأخيرة التي يسحبها من مخزن بندقيته، ليتركها لمن بعده، ومن يخون رصاصةً، ويطلقها في غير وجهتها، إنما يقتل نفسه، ويمثّل بجثث تدفن بدمها نقيّة .. لا تُغسّل.
أمّا الخامس عشر من يناير، والخامس والعشرون من نفس الشّهر، والسابع عشر من فبراير، فكلُّها تواريخ حديثة على الذاكرة الفلسطينيّة. لم يحدث أن جلسنا، نحن الفلسطينيّون، بجسدنا الثقيل المليء بالرضوض و الرصاص المستورد من أمريكا، على إختلاف مستورديه، بأحلامنا وقضيّتنا المليئة بالورد والأشواك، من يعيش منّا وراء الخطّ الأخضر، ومن يعيش أمامه، ومن يعيش في الشتات، وفي المنفى، وفي السجون، لم يحدث أن جلسنا جميعًا واتحدنا في شيء آخر غير الموت جماعاتٍ أمام الصّاروخ، اتحدنا أمام التلفاز!. نعم .. هذا على الشّاشة خطٌ أحمرُ عريض، وهذي مسيرة، لكنّ الذي يموت ليولد بشكل آخر، وعلى غير العادة، لا يتحدث لهجتنا، إنّه يتحدث نفس اللغة، لكنّ اللهجة مختلفة، هذا تونسي! هذا مصري! هذا ليبي!، أين الفلسطيني؟، إنّه يجلس على أريكته، محاطًا بزجاجات تقتبس الثمالة والأوجاعَ والنسيان والذاكرة، محاطًا بالسجائر المطفأة وأهازيج ظريف الطول، في غرفة علّق طمعًا في حبّ الله على جدرانها آياتٍ من القرآن وترتيلةً للقدّيس شربل وصورةً لأمّ المخلّص؛ جلس الفلسطينيّ ليتابع للمرّة الأولى قصفًا بالطائرات لا يعقبه قصيدة تقول جرّبناك، ولا إتصال من مراسل أو فتحٌ لمعبر رفح ولا – ويا أسف الآسفين في أقاويلٍ أخيرة – إشعالاً للشّموع في مكان ما مدوّر !
سبعة أشهر مرّت منذ قطعت سيناء حاملاً شهادتي، وعلبة السجائر. سبعة أشهر بالتمام، أنهيت فيها للتو فصلاً دراسيّاً للمرّة الأولى، بعد عدّة جامعات، اليوم ألفّها بشريط أحمر وأضعها على رفٍّ قريب، وعندما يكتمل نصابها و تصير سنةً، أخزّنها بعيدًا عن عيني، قريبًا من متناول الفكرة، في أدراج الذّاكرة. لا أتحرّج أبدًا من القول بأنّي لا أحفظ أعياد ميلاد الأصدقاء، وأنّ الفيس بوك قد حفظ ماء وجهي مرّات عديدة بغبائه المرتّب، الأمر الذي فشل فيه عندما نسيت عيد ميلاد أمّي التي لا “فيس بوك” لها، فذكرتني به أمّي الأخرى، أمّا الثالث عشر من حزيران، فتاريخ لا أحتاج لتذكره إلى فيس بوك، ولا إلى أمّهات، تاريخ أنا أحتاج فعليّا لنسيانه تمامًا، حتى أتحرر من تناقضي، وأكون صادقًا فعلاً عندما أقول أنّي لن أعود، لا أن أقولها، وأصابعي تعد أيّام الابتعاد عن مرمى حجر من بيت طيما، والتاريخ في عقلي يدور .
إنّ ردة فعلي الأولى، فلسطينيًا، على رواية “الطنطوريّة” للعبقرية الدافئة رضوى عاشور، هي استحضار مثل جدّي المأثور، الذي كان ليصدح به قائلاً لها، يا رضوى ” يسعد البز الي رضّعك “، ولك قارئي العزيز ان تستحضر جدّك أنت، وتقول في سرّك وفي العلن لرضوى : أنتِ يا سيدتي أخت رجال، من ظهر راجل، إمرأة بسبعين ألف مليون راجل، أنتِ الرسالة العشقيّة في جيب الفدائي الذي سبح عائدًا إلى بيروت، أنت جدعة، ومن جبينك بيطل الصبح. كم وددت ولا زلت يا رضوى، يا أمّ تميم، أن أهديكِ ثوبًا فلسطينيًا طرّزته أياد فلسطينيات من بلاد الطوق، ومن المنفى، ومن الداخل، ومن داخل الدّاخل في هذا العيد، بعد أن أهديتني الطنطورية، وصيدا، وعين الحلوة، ويبروت، والاسكندريّة، بعد أن أهديتني فيضًا من الدمع المسوّر بالفرح. ثمّة حالة تشبه تمامًا مشهدَ الرواية الأخير، حالة تبكي فيها وأنت تضحك، كأنّك تمامًا تقف – كرقيّة بطلة الرواية – على جانبي سلك شائك، بين الفرح، والحزن، بين الانتصار، والهزيمة.